محمد متولي الشعراوي
3213
تفسير الشعراوى
أما عندما تقرأ « سوف » فأعلم أن الزمن الذي يفصل بين الحدث والحدث متسع وبعيد . ولذلك نحن نرى أن الردة قد امتدت في عهد أبى بكر - رضى اللّه عنه - وفي عهد عمر - رضى اللّه عنه - . وما هي ذي مواصفات القوم الذين يأتي بهم اللّه في قوله : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ » ؟ إنها مواصفات ست : يحبهم اللّه ، ويحبون اللّه ، أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل اللّه ، لا يخافون لومة لائم . وكيف يكون الإنسان المؤمن ذليلا وعزيزا في آن واحد ؟ لأن الحق لا يريد أن يطبعنا على لون واحد من الانفعال ، ولكنه يريد لنا أن ننفعل تبعا للموقف . فعندما يحتاج الموقف إلى أن يكون المؤمن عطوفا فالمؤمن يواجه الموقف بالعاطفة . وعندما يحتاج الموقف إلى الشدة فالمؤمن يواجه الموقف بالشدة . وإن احتاج الموقف إلى الكرم ، فالمؤمن يقابل الموقف بالكرم . فالمسلم - إذن - ينفعل انفعالا مناسبا لكل موقف ، وليس مطبوعا على انفعال واحد . ولو انطبع المؤمن على موقف ذلة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب العزة فلا يجدها ولو طبع المؤمن على عزة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب الذلة فلا يجدها ؛ لذلك جعل الحق قلب المؤمن لينا قادرا على مواجهة كل موقف بما يناسبه . والمؤمن عزيز أمام عدوه لا يغلب ، ويجابهه بقوة . والمؤمن يخفض جناح الذل من الرحمة لوالديه امتثالا لأمر الحق سبحانه : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ( من الآية 24 سورة الإسراء ) وهل إذا خفض المؤمن جناح الذل لوالديه . أيخدش ذلك عزته ؟ لا . بل ذلك أمر يرفع من عزة الإنسان . والحق يريد المؤمن أن يكون غير مطبوع على لون واحد من الانفعال ، ولكن لكل موقف انفعاله . وحين ينفعل المؤمن للمواقف المختلفة فهو يميز ما يحتاج إليه كل موقف « أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ » ويقال في اللغة : « ذليل لفلان » فلماذا - إذا - يقول الحق هنا : « أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » ،