محمد متولي الشعراوي
3200
تفسير الشعراوى
إلى اللّه . والقائل هنا بشر ويتكلم عن بشر ، والمرجو هو اللّه ، وقدرة اللّه أوسع من كل قدرة . هنا ندخل في اتساع دائرة الرجاء فما بالنا إذا كان المتكلم هو اللّه ؟ إذن فهذا إطماع من كريم لا بد أن يتحقق . ونتعرف بذلك على درجات الرجاء : رجاء من بشر لبشر ، رجاء بشر من إله لبشر ، رجاء إله من إله لبشر ، ولأن الرجاء الأخير من المالك الأعلى لذاته فهو الذي يعطى « فعسى اللّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده » وقد تحقق ذلك في واقع الأمر ، وساعة قالوا : نخشى أن تصيبنا دائرة ونحن نحتفظ بالعلاقة مع أهل الكتاب من أجل الولاية والنصرة . جاءت من بعد ذلك النصرة بالفتح وبأمر من اللّه ، فماذا كان موقفهم ؟ صار الموقف هو « فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ » أي أنهم صاروا إلى الندم . وبذلك صار قولهم : « نخشى أن تصيبنا دائرة » هو كشف لما في قلوبهم من مرض النفاق ، وقد خلعوا على المرض وعبروا عنه بهذا الكلام سترا لما في قلوبهم ، فكأن الذي أسروه في نفوسهم هو كراهية هذا الدين وكراهية هذا المنهج وأنهم لا يحبون أن يستعلى هذا المنهج على غيره . إذن فالحق سبحانه وتعالى يدلنا على أن القول الذي نشأ منهم : « نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ » لم يكن هو السبب المباشر . ولكن السبب هو المرض في قلوبهم . والمرض : أنهم لا يحبون أن ينتصر منهج الإسلام ؛ لأنهم يعيشون على ثروات المخالفين للدين ، وساعة تكون السيطرة للإسلام ينتهى ثراؤهم . وكذلك كان أهل الكتاب في المدينة قبل أن يأتي الإسلام كانوا أصحاب العلم والمال والجاه ، وكانت الأوس والخزرج يأخذون منهم المال بالربا ويشترون منهم السلاح ، ويأخذون منهم العلم . ولما جاء الإسلام ضاع من اليهود كل ذلك فتمكن من قلوبهم المرض ؛ لأن الإسلام سلبهم السلطة الزمنية ، هذه السلطة التي جعلتهم يحرفون كتب اللّه . فإذا كانوا قد دخلوا مع اللّه في تحريف كتبه ، أفلا يدخلون معكم - أيها المسلمون - في عداوة ويلبسون عليكم بأنهم يعينون وهم يخذّلون ؟ « فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ » وساعة يسمعون هذا القول الرباني