محمد متولي الشعراوي

3191

تفسير الشعراوى

ما أنتم وما محمد ؟ فقال سادة قريش : نحن ننحر الكوماء « 1 » ونسقى اللبن على الماء ونفك العاني « 2 » ونصل الأرحام ونسقى الحجيج وديننا القديم ودين محمد الحديث . فقال الأحبار : أنتم خير منه وأهدى سبيلا . وبذلك زوروا القول . وينقل الرواة قصة أخرى في هذا الموضع ، أن واحدا من أحبار اليهود قال لأبى سفيان : أنتم واللّه أهدى سبيلا مما هو عليه . وقال الأحبار ذلك حسدا لرسول اللّه . إذن فهل يرتضى أهل الكتاب حكم الجاهلية ؟ لا . ولكنه التناقض والتضارب . وما داموا قد تناقضوا مع أنفسهم صار من السهل أن يتناقضوا مع الكتاب الذي نزل إليهم . ولذلك يتساءل الحق : « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ » ثم يأتي من بعد ذلك بالمقابل وهو قوله : « وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً » . وسبحانه لم يقل : إن الأحسن في الحكم هم المسلمون لجواز أن يكون من المسلمين من ينحرف ، لذلك رد الأمر إلى ما لا يتغير أبدا وهو حكم اللّه . وحين يقرر سبحانه ذلك فإنه - أزلا - يعلم أنه سيأتي قوم مسلمون وينحرفون عن المنهج . ونحن نرى في بعض الأحيان سلوكا منحرفا من مسلم ، فهل نلصق هذا السلوك بالإسلام ؟ لا . بل ننظر إلى حكم اللّه في كتابه . وعندما نرى أن حكم اللّه يجرم فعلا وله عقوبة ، فالعقوبة تقع على المسلم المنحرف أيضا . والمثال قوله الحق : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ( من الآية 38 سورة المائدة ) وهذا الحكم يطبق على المسلم وغير المسلم ، إذن فلا نقول هذا حكم المسلمين وذلك حكم الجاهلية . ولكننا نقول : إنه حكم صاحب المنهج وهو اللّه . ونلحظ أن هناك استفهاما في قوله الحق : « وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً » . والاستفهام هو نقل صورة الشئ في الذهن ، لا نقل حقيقة الشئ . وساعة يطلب

--> ( 1 ) الكوماء : الناقة العظيمة النّام . ( 2 ) العاني : الأسير .