محمد متولي الشعراوي
3189
تفسير الشعراوى
إفراديا . مثلما نسمع كلمة « جبل » فيقفز إلى الذهن صورة الجبل ، لكن لا توجد حالة واضحة للجبل ؛ لأن الكلمة لم تكن مصحوبة بحكم . إذن فهناك معنى للفظ ، ولكن هذا المعنى لا يستقل بفائدة . ولكن إن قلنا إن القاهرة مكتظة بالسكان ، أو أن مرافقها متعبة ، هنا نكون قد أتينا بحكم يوضح لنا ماذا نقصد بقولنا القاهرة . إن هناك فرقا بين اللفظ حين يؤدى إلى معنى مفرد لا حكم له ، وبين لفظ له حكم ، ولذلك نجد العربي القديم حين يأتيه لفظ بلا حكم لم يكن ليقبله . وها هو ذا رجل عربى قال : أشهد أن محمدا رسول اللّه - بفتح اللام في كلمة « رسول » - وبهذا القول تكون « رسول اللّه » صفة لمحمد وليس فيها الخبر المطلوب . لذلك قال عربى آخر : وماذا يصنع محمدا ؟ ليلفت القائل إلى أنه لم يتلق الخبر . إذن كل لفظ له معنى ، وهذا المعنى مفرد ولا بد له من نسبة . مثلما نقول لصديق : « محمد » ، ويعرف هذا الصديق محمدا ، فيسألك : « وما لمحمد » ؟ وبقوله هذا إنما يطلب الخبر ليعرف ماذا حدث له أو منه ، فتقول : « محمد زارني أمس » . وهكذا تكتمل الفائدة . إذن فكل لفظ من الألفاظ المفردة له معنى حين يفرد . فإذا ما جاء الحكم تنشأ عنه النسبة . وإن كانت النسبة واقعة ويعتقدها قائلها ؛ ويستطيع إقامة الدليل عليها فهذه نسبة علم ؛ لأن العلم نسبة مجزوم بها وواقعة ونستطيع إقامة الدليل عليها تماما مثلما نقول : ( الأرض كروية ) حيث توحى الكلمة أولا بصورة الأرض وأضفنا إليها نسبة هي « كروية » لأننا نعتقد أنها كروية والواقع يؤكد ذلك ، فإذا ما جئنا بالدليل عليها فهذه نسبة علم . إذن فالعلم نسبة معتقدة وواقعة وعليها دليل . أما إذا كانت النسبة واقعة ومعتقدة ولا نستطيع التدليل عليها فذلك هو التقليد مثلما يكرر الطفل عن والده بعضا من الحقائق ولكنه لا يستطيع إقامة الدليل عليها ، إنه يقلد من يثق به ، إذن فالمرحلة الأقل من العلم هي التقليد . أما إذا كان الإنسان يعتقد أن النسبة قد حدثت ولكن الواقع غير ذلك ، فهذا هو الجهل ، فالجهل ليس