محمد متولي الشعراوي

3182

تفسير الشعراوى

« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » والشرعة هي الطريق في الماء . والمنهج هو الطريق في اليابسة . ومقومات حياة الإنسان هي من الماء ومن الغذاء الذي يخرج من الأرض ، فكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى في القيم هذين الاثنين ، الشرعة والمنهاج ، وما دام سبحانه قد جعل لكل منا شرعة ومنهاجا ، فلماذا قال في موضع آخر من القرآن : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً ( من الآية 13 سورة الشورى ) معنى هذا القول هو الاتفاق في أصول العقائد التي لا تختلف أبدا باختلاف الأزمان . ففي بدء الإسلام نجد أنه جاء ليؤصل العقيدة أولا بلا هوادة ، فنادى بوحدانية اللّه ، وعدم الشرك به ، وصفات الكمال المطلق فيه ، وعدم تعدد الآلهة . أما بقية الأحكام الفعلية فقد جعلها مراحل . وكان يخفف قليلا فقليلا . إذن فالمراحل إنما جاءت في الأحكام الفعلية ، أما العقائد فقد جاءت كما هي وبحسم لا هوادة فيه . إذن فقوله الحق : « شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً » . هذا القول مقصود به العقائد . وما دام قد شرع لنا في الدين ما وصى به نوحا ، فهذا توصية بأفعال تتعلق أيضا بزمن نوح ، وسبحانه الذي وضع لنا المنهاج الذي نسير عليه في زماننا . إذن فالأمران متساويان . والمهم هو وحدة المصدر المشرّع . ويقول الحق : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً » . فلو شاء لجعل « افعل » ولا « تفعل » واحدة في كل المناهج ، ولكن ذلك لم يكن متناسبا مع اختلاف الأزمان والأقوام الانعزالية قبل الإسلام بداءاتها المختلفة ؛ لذلك كان من المنطقي أن تأتى الأحكام مناسبة للداءات . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ( من الآية 48 سورة المائدة ) وسبحانه وتعالى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً في « افعل » و « لا تفعل » ولكنه