محمد متولي الشعراوي
3165
تفسير الشعراوى
إن « الْعالِينَ » هم الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا يدرون ولا يعلمون بأمر آدم ، فقد سأل الحق إبليس : أأنت مستكبر عن السجود أم أنت من العالين الذين لم يشملهم أمر السجود ؟ وقلنا إن إبليس لم يكن من الملائكة ، لأنه بنص القرآن : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ( من الآية 50 سورة الكهف ) ولذلك لا يصح أن يكون « إبليس » محل خلاف أهو من الملائكة أم لا ! فهو ليس من الملائكة . وفي القرآن نص صريح يثبت جنسية إبليس . وهو من الجن . وكان من المختارين ، له أن يطيع أو أن يعصى . لأن الجن داخلون في قانون الاختيار . فإن ألزم الجنّى نفسه بمنهج اللّه إلزاما يتساوى به مع الملائكة وجب عليه أن يقوم بذلك . ولكنه لم يفعل . وكان من الواجب أن يطيع إبليس الأمر . وما دام الحق هو الذي أمر بالسجود ، فالأدنى وهو إبليس كان عليه أن يسجد ؛ لأن المراتب محفوظة كما نعلم ، فرئيس الجمهورية عندما يدخل على الوزراء فهم يطيعون أمره ، وإن كان يجلس مع الوزراء بعض وكلاء الوزارات فهم يطيعون أوامره ؛ ذلك أنهم يدخلون في الأمر من باب أولى . ولو كان إبليس أعلى من الملائكة لكان أولى له أن يستجيب لأمر الخالق الأعلى ولا يعصى ويتأبى ، أما وإنّه كان أقل من الملائكة فكان لا بد من باب أولى - أن ينصاع لأمر اللّه . لكن إبليس علل أمر عدم السجود ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( من الآية 12 سورة الأعراف ) وفي آية أخرى قال سبحانه : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( من الآية 61 سورة الإسراء ) وحين يتأبّى كائن على الحكم ، أيتأبّى على الحكم الأصم ، أي على الحكم من حيث هو حكم دون النظر إلى الحاكم ، أم على من حكم بالحكم وهو الأعلى سبحانه ؟ . تأبى إبليس على من حكم بالحكم ، ولذلك طرده الحق من الجنة وصار ملعونا . لكن آدم عصى ربه وقرب من الشجرة التي نهاه اللّه عنها . ومن رحمة اللّه