محمد متولي الشعراوي

3156

تفسير الشعراوى

الهدى هو الطريق أو الدرب الموصّل للغاية . وتأتى على الطريق أحقاب الليل والنهار ، فالطريق مظلم ليلا ، وقد تعترض السائر فيه عقبات ، أو قد لا يمشى السائر في سواء السبيل أي وسط الطريق ، فيقع في حفرة أو يصطدم بحجر . ويوضح الحق هنا : لقد صنعت لكم الدرب وأنرته لكم حتى لا تصطدموا بشئ أو تأتى لكم عقبات ، وتمثّل ذلك في المنهج الذي جاء به موكب الرّسل كلهم . وقديما كان العالم مفككا ، متناثر الجماعات ، فلا توجد مواصلات ، وتعيش كل جماعة في انعزال وشبه استقلال ، فإن حصلت داءات في بقعة ما تظل محصورة في هذه البقعة ، ويأتي رسول ليعالج هذه الداءات ، فهذا يعالج أمر عبادة الأصنام ، وذلك يعالج مسألة الكيل والميزان ، وثالث يعالج الأمور المنظمة للحياة الزوجية عند اليهود . هذه الداءات كانت متعددة بتعدد الجهات ، وعندما أراد الحق سبحانه أن يبصر الناس بأسرار كونه ليستنبطوا منها ما يقرب المسافات ويمنع المشقات لتلتقى الأمم . وعندما تلتقى الأمم لا يوجد فصل بين الداءات ، فالداء الواحد يحصل في الشرق لينتقل إلى الغرب . وكأن الداءات تتحد في العالم أيضا . إذن لا بد أن يجئ الرسول الجامع ليعالج الداءات كلها ، فيأتي صلّى اللّه عليه وسلم الجامع المانع ، فإذا ما قال الحق : إنه أنزل التوراة فيها هدى ونور ، فالإنجيل أيضا فيه هدى ونور ، وكل هدى ونور في أي كتاب إنما هو للداءات الموجودة في البيئة المنعزلة . مثال ذلك أن سيدنا إبراهيم كان موجودا ، ومعه في الزمن نفسه سيدنا لوط . وها هو ذا سيدنا موسى كان موجودا . وكذلك سيدنا شعيب ، إذن كانت الرّسل تتعاصر في بعض الأحيان لأن كلا منهم يعالج داء معينا . وهكذا كانت الرسالات تأتى محدودة الزمان ومحدودة المكان . أما محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقد بعثه اللّه للناس كافة بكل أجناسهم وتقوم على منهجه الساعة ؛ لذلك لم تعد الأرض في حاجة إلى رسول آخر ، وصار من المنطقي أن يكون هو الرسول الخاتم . « إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا » لماذا إذن يأتي