محمد متولي الشعراوي
3154
تفسير الشعراوى
أمامكم الموازين العليا في الكون ، ولا تستطيعون إفسادها لأنها تسير بنظام لا دخل لكم به ؛ لذلك عليكم أن تتعلموا منها وأن تديروا أمور حياتكم بميزان حتى تستقيم أموركم الاختيارية . أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) ( سورة الرحمن ) فإن رأيت حولك كونا غير مضطرب ، وغير متصادم ، ويؤدى حركته دون تعارض أو تصادم ، فافهم أنه قائم على ميزان الحق ، ووضع سبحانه لك ميزانا في الأمور الاختيارية ، والمرجحات الاختيارية هي أحكام التكليف من اللّه ، فإن أردت أن تستقيم لك الأمور الاختيارية فسر بها على الميزان الذي وضعه اللّه . ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 43 ] وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) يوضح سبحانه : كيف يأتون طلبا للحكم منك وعندهم التوراة ، وهم لم يؤمنوا بك يا محمد رسولا من اللّه ، فكيف يرضاك من لم يؤمن بك حكما ؟ لا بد أن في ذلك مصلحة مناقضة لما في التوراة ، ولو لم تكن تلك المصلحة مناقضة لنفذوا الحكم الذي عندهم ، وهم إنما جاءوا إليك يا رسول اللّه طمعا في أن تعطى شيئا من التسهيل وظنوا - والعياذ باللّه - أنك قد توفر لهم أكل السّحت وسماع الكذب . « وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ » وهي مسألة عجيبة يجب أن يفطن إليها ؛ لأن عندهم التوراة فيها حكم اللّه ، فلو حكموك في أمر ليس في التوراة لكان الأمر مقبولا ، لكن أن يحكموك في أمر له حكم في التوراة ، وبعد ذلك يطلعك اللّه عليه