محمد متولي الشعراوي
3152
تفسير الشعراوى
إذن فالباطل من جنود الحق والألم من جنود الشفاء ؛ لأن أمور الحياة لو سارت على وتيرة واحدة لما عرف الإنسان أوجه الحياة ، فلو لم يأت الألم إلى المريض لأكله المرض . فإذا كان الألم من جنود الشفاء ، فالكفر أيضا من جنود الإيمان ؛ لأننا عندما نرى الكفر ونشهد آثار الكفر فسادا في المجتمع ، نتساءل : ما الذي يخلّصنا من ذلك ؟ ونعرف أن الذي يخلصنا من الفساد هو الإيمان . وأكرّر دائما : كلمة الكفر بذاتها هي الدليل الأول على الإيمان ؛ لأن الكفر هو السّتر ، وما دام الكفر هو السّتر ، والكافر يستر الإيمان ، وظهور الكفر على السطح دليل وجود الإيمان في الأصل . وما دام الحق قد قال : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » فلا بد بعد هذا التشخيص أن يرسم لرسوله أسلوب التعامل معهم : « فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً » . فأنت يا رسول اللّه بالخيار بين أن تحكم بينهم في القضية التي جاءوا من أجلها أو تعرض عنهم ، فليس عليك تجاههم إلزام ما ؛ لأنهم السماعون للكذب الأكّالون للسّحت . وهم حينما يأتونك يا رسول اللّه طلبا لحكم إنما يفعلون ذلك لا رغبة في معرفة الحق ولاهم يلتمسون العدل . بل جاءوك مظنة تيسير أمر الباطل وأكل السّحت لنفوسهم . وقد طلبوا الحكم في قضية الزّنا وعندهم في التوراة كان الرّجم عقابا للزنا . لقد ذهبوا لرسول اللّه لأنهم أرادوا أن يستروا حكم الزّنا في التوراة ، والاكتفاء بالجلد وتسويد وجه الزاني وركوبه حمارا في الوضع العكسى بحيث يكون وجهه في اتجاه الذيل وقفاه في اتجاه رأس الحمار ، وأن يطوفوا بالزاني وهو على هذه الهيئة حول البلدة . ولما لم يسمعوا ذلك الحكم من الرسول ابتعدوا عنه . إذن هم يطلبون التخفيف لأنهم كانوا سماعين للكذب وأكّالين للسّحت . ولأن الذي سيطبق عليه الحد رجل له جاه وله مكانة وهم يريدون التقرب إليه بتخفيف العقاب عنه . وهل هناك تعارض بين قول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وبين قول الحق : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ( من الآية 48 سورة المائدة )