محمد متولي الشعراوي
3112
تفسير الشعراوى
فماذا عن موقفهم يوم القيامة ؟ . لقد أقمتم الجبروت بقوّتكم على غيركم ، وها هي ذي القوّة تضيع وتفلت . لقد كانت القوة تعيش معكم في الدنيا بالأسباب الممنوحة من اللّه لكم . ولم تضنّ عليكم سنن اللّه أن ترتقوا ، وسبحانه قد خلق السنن ومن يبحث في أسباب اللّه ، ينل نتيجة ما بذل من جهد ، لكن ها هو ذا يوم القيامة ، وها أنتم أولاء تعرفون أن الأسباب ليست ذاتية . وأن قوّتكم لم تكن إلا عطاء من اللّه . ها أنتم أولاء أمام المشهد الحىّ ، فلو أن ما في الدنيا جميعا معكم وحتى ولو كان ضعف ما في الدنيا وتريدون أن تقدّموه فدية لكم من عذاب جهنم فاللّه لا يتقبله ، وتلك قمّة الخزي ، ولن يستطيعوا تخليص أنفسهم من عذاب جهنم . وهذا المشهد يجعل النفس تستشعر أن المسألة ليست لعبا ولا هزلا ، ولكن هي جدّ في منتهى الجدّ . وعلى الإنسان أن يقدّر العقوبة قبل أن يستلذّ بالجريمة . والذي يجعل الناس تستشرى في الإسراف على أنفسهم ، أن الواحد منهم يعزل الجريمة عن عقوبة الجريمة . ولو قارن الإنسان قبل أن يسرف على نفسه العقوبة بالجريمة لما ارتكبها . وكذلك الذي يكسل عن الطاعة ؛ لو يقارن الطاعة بجزائها لأسرع إليها . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - نفترض أن إنسانا في صحراء نظر إلى أعلى الجبل ورأى شجرة تفاح ، واستدلّ على التفاح بأن رأى تفاحة عطبة واقعة على الأرض ، وقال الرجل لنفسه : هأنذا أرى مصارع الناس ؛ فهذا يصعد إلى الجبل فيقع من على حافته . وذلك تهاجمه الذئاب . وثالث يتوه عن الطريق . كل ذلك على أمل أن في الشجرة ثمارا . ولا بد لي من أن أختار الطريق السليم إلى الثمار . والطريق إلى ثمار الدنيا الطاعة لمنهج اللّه ، وهو الطريق إلى ثمار الآخرة . وأيضا : الطالب المجتهد الذي يتغلب على النعاس ويتوضأ ويصلّى ويخرج إلى مدرسته في برد الشتاء ليحصل الدروس . ويعود إلى المنزل لتقدّم له أمه الطعام ، ولكنه مشغول بالدرس . إن هذا الشاب يستحضر نتيجة هذا الجهد ؛ لذلك فكل تعب في سبيل التعلّم صار سهلا عليه ، ولو أهمل ونام ولم يقم مبكرا إلى المدرسة ، وإن استيقظ وخرج من المنزل ليتسكع في الطرقات مع أمثاله ؛ يكون في مثل هذه الحالة غير مقدّر للنتيجة التي تقوده إليها الصّعلكة . والعيب في البشر أنهم يعزلون