محمد متولي الشعراوي
3109
تفسير الشعراوى
وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة . لا بد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها ؛ ومع ذلك لم يضع اللّه الجهاد كوسيلة في أول الأمر ، بل ظل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يربّى من يحملون الدعوة . فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية . وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابيا يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص ، وأن خالد بن الوليد قد هرب . وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم اللّه قد ادّخر خالدا وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد . وكذلك عمرو بن العاص قد ادّخره اللّه إلى نصر آخر للإسلام . إذن فالجهاد في سبيل اللّه ضمان للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصولا إلى أن تقوم الساعة ، وذلك لا يتأتّى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله . والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل اللّه كان عندها شئ من الإيثار الإيمانى . وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتحب أن توصّله إلى غيرها ، ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام ، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمنا ، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة ، فالناس إذا كانوا أخيارا استفاد الإنسان من خيرهم كله ، وإذا كانوا أشرارا يناله من شرّهم شئ . إذن فمن مصلحة الخيّر أن يشيع خيره في الناس ؛ لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره ؛ لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر . لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان ؛ لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم . أما إن بقي الناس على شرّهم وبقي الإنسان الطيب على خيره ، فسيظل خير الطيب مبذولا لهم ويظل شرّهم مبذولا للطيب . إذن من حكمة الإيمان أن « يعدّى » الإنسان الخير للغير . وإن دعوة المؤمن إلى سبيل اللّه ، ومن أجل انتشار منهج اللّه لا بد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في