محمد متولي الشعراوي
3089
تفسير الشعراوى
والحديث النبوي يقول : « من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ » . إنه الاحتياط والدقة والقيد : « مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ » ولو كان التشريع تشريعا بشريا فمرّت عليه هذه المسألة يمكن أن يستدركها بعد ذلك بشرح أو تعديل ، ولكن المشرّع الأعلى لا يستدرك . « مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ » . فكأن من قتل نفسا بنفس أو بفساد في الأرض ، لا يقال عليه : إنه قتل الناس جميعا ، بل أحيا الناس جميعا ؛ لأن التجريم لأي فعل يعنى مجىء النص الموضح أن هذا الفعل جريمة ، وبعد ذلك نضع لهذه الجريمة عقوبة . ولا يمكن أن تأتى لواحد ارتكب فعلا وتقول له : أنا أؤاخذك به وأعاقبك عليه بغير أن يوجد نص بتجريم هذا الفعل . وهناك توجد قاعدة شرعية قانونية تقول : « لا تجريم إلّا بنص ولا عقوبة إلّا بتجريم » . أي أننا نرتّب العقوبة على الجريمة ، أو ساعة يجرّم فعل يذكر بجانب التجريم العقوبة ، فهل القصد هو عقاب مرتكب الجرم ؟ لا إنما القصد هو تفظيع العقاب حتى يراه كل إنسان قبل أن يرتكب الجريمة ، والهدف هو منع الجريمة ، ولذلك تجد الحكمة البشرية القائلة : « القتل أنفى للقتل » ، وبطبيعة الحال لا يمكن أن ترقى تلك الحكمة إلى قول الحق : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( من الآية 179 سورة البقرة ) لأننا يمكن أن نتساءل : أىّ قتل أنفى للقتل ؟ . وسنجد أن المقصود بالحكمة ليس القتل الابتدائي ولكن قتل الاقتصاص . وهكذا نجد الأسلوب البشرى قد فاتته اللمحة الفعّالة في منع القتل الموجودة في قوله الحق : « مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً » . وكلمة « أحياها » لها أكثر من معنى . وبالتحديد لها معنيان : المعنى الأول : أنه أبقى فيها