محمد متولي الشعراوي
2634
تفسير الشعراوى
والحق هنا يتكلم عن إنسان لم تحدث له توبة عن الشرك فيؤمن ؛ لأن الإيمان يجبّ ما قبله أي يقطع ما كان قبله من الكفر والذنوب التي لا تتعلق بحقوق الآخرين كظلم العباد بعضهم بعضا . ومن عظمة الإيمان أن الإنسان حين يؤمن باللّه وتخلص النية بهذا الإيمان ، وبعد ذلك جاءه قدر اللّه بالموت ، فقد يعطيه سبحانه نعيما يفوق من عاش مؤمنا لفترة طويلة قد يكون مرتكبا فيها لبعض السيئت فينال عقابها . مثال ذلك « مخيريق » فحينما خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أحد قال مخيريق لليهود : ألا تنصرون محمدا واللّه إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم فقالوا : اليوم يوم سبت فقال : لا سبت . وأخذ سيفه ومضى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقاتل حتى أثبتته الجراحة ( أي لا يستطيع أن يقوم معها ) فلما حضره الموت قال : أموالي إلى محمد يضعها حيث شاء . فلم يصل في حياته ركعة واحدة ومع ذلك نال مرتبة الشهيد ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « محيريق سائق يهود وسلمان سائق فارس وبلال سائق الحبشة » . وسبحانه يبلغنا هنا : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » وللّه المثل الأعلى نرى في حياتنا مجتمعا قد تقوم فيه ثورة أو انقلاب ، ونجد قادة الثورة أو الانقلاب يرون واحدا يفعل ما شاء له فلا يقتربون منه إلى أن يتعرض للثورة بالنقد أو يحاول أن يصنع انقلابا ، هنا تتم محاكمته بتهمة الخيانة العظمى ، فما بالنا بالذي يخرج عن نطاق الإيمان كلية ويشرك باللّه ؟ سبحانه لا يغفر ذلك أبدا ، ولكنه يغفر ما دون ذلك ، ومن رحمة اللّه بالخلق أن احتفظ هو بإرادة الغفران حتى لا يصير الناس إلى ارتكاب كل المعاصي . ولكن لا بد من توبة العبد عن الذنب . ونعلم أن العبد لا يتم طرده من رحمة اللّه لمجرد ارتكاب الذنب . ونعلم أن هناك فرقا بين من يأتي الذنب ويفعله ويقترفه وهو يعلم أنه مذنب وأن حكم اللّه صحيح وصادق ، لكن نفسه ضعفت ، والذي يرد الحكم على اللّه . وقد نجد عبدا يريد أن يرتكب الذنب فيلتمس له وجه حل ، كقول بعضهم : إن الربا ليس حراما . هذا هو رد الحكم على اللّه . أما العبد الذي يقول : إنني أعرف أن الربا حرام ولكن ظروفى قاسية وضروراتى ملحة . فهو عبد عاص فقط لا يرد الحكم على اللّه ، ومن يرد الحكم على اللّه هو - والعياذ باللّه - كافر .