محمد متولي الشعراوي

3067

تفسير الشعراوى

ومن بعد ذلك يقول الحق : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 27 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) وساعة يتلو الإنسان - أي يقرأ - فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صور ؛ ذلك أن الإنسان عندما يرى أمرا أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة ، أو يرى كل صورة مكّونة للحدث منفصلة عن غيرها . وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتّب الكلمات ، كلمة من بعد كلمة ، وحرفا من بعد حرف ؛ إذن فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام . « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ » والنبأ هو الخبر المهم ، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر . ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر . مثال ذلك قوله الحق : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) ( سورة النبأ ) إذن فكلمة « نبأ » هي الخبر المهم الشديد الذي له وقع وأثر عظيم . « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ » وساعة نسمع قوله الحق : « بِالْحَقِّ » فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ولا تبديل . ولذلك قال سبحانه : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ( من الآية 105 سورة الإسراء ) أي أن ما أنزل من عند اللّه لم يلتبس بغيره من الكلام ، وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشّر نزل . وعندما يقول سبحانه : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ » فسبحانه يحكى قصة قرآنية تحكى واقعة كونية . وما دام اللّه هو الذي يقصّ فهو سيأتي بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة . ولذلك يسمّيه سبحانه « الْقَصَصُ الْحَقُّ » :