محمد متولي الشعراوي

3042

تفسير الشعراوى

إنها عجائب كثيرة تتجلى فيها قدرة الخالق الأعظم ، وتبين القدرة مجالات تصرفها ، فقد ضرب موسى البحر فصار كل فرق كالطود العظيم ، وكأن الماء صار صخرا . وضرب موسى الصخر فتفجرت المياه . إنها عجائب القدرة . ألم يظللكم بالغمام ؟ ألم ينزل عليكم في التيه المن والسلوى ؟ وكل هذه النعم ألا تستحق الذكر للّه والشكر للّه والاستحياء من أن تعصوه أو أن ترهقوا الرسول الذي جاء لهدايتكم ؟ إن كل هذه النعم تستحق الشكر ، والشكر ذكر . « اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » وكلما أدركتهم غفلة فإن الحق يرسل لهم نبيا كأسوة سلوكية . ولم يغضب عليهم ولم يقل : أرسلت لهم رسولا واثنين وثلاثة وأربعة . ولم يهتدوا ، بل كلما عصوا اللّه واستعصت داءاتهم أرسل لهم رسولا ، مثلهم في ذلك مثل المريض الذي لا يضن عليه عائله بطبيب أو بطبيبين أو ثلاثة أو أربعة ، بل كلما لاحظ عائله شيئا فإنه يرسل له طبيبا . وفي ذلك امتنان ؛ لأن اللّه أرسل إليهم كثيرا من الرسل . وكان عليهم أن يعلموا أن داءاتهم قد كثرت وصار مرضهم مستعصيا ؛ لأنه لو لم يكن المرض مستعصيا ؛ لما كانوا في حاجة إلى هذه الكثرة من الأطباء والأنبياء . ومع ذلك رحمهم اللّه وكلما زاد داؤهم أرسل لهم نبيا . ولم يكتف الحق بأن جعل فيهم أنبياء ؛ بل قال : « وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » وليس معنى ذلك أنهم كلهم صاروا ملوكا ؛ ولكن كان منهم الملوك . « والملك » كلمة أخذت اصطلاحا سياسيا ، فكل إنسان مالك ما في حوزته ؛ مالك لثوبه ، أو مالك اللقمة التي يأكلها ، أو مالك البيت الذي ينام فيه ، لكن الملك هو الذي يملك ويملك من ملك . إذن فكل واحد عنده القدرة أن يملك شيئا ويملك من ملك يكون ملكا ، فرجل عنده رعيان يقومون برعى القطعان من الماشية التي يملكها ، وعنده أناس يخدمون في المنزل وأناس يعملون في المزرعة ، وعنده أكثر من سائق ، وعنده أناس كثيرون يأتمرون بأمره ولا يدخلون عليه إلا بإذنه ولا يتكلف في لقائهم أي حرج أو مشقة ، هذا الرجل لا بد أن يكون ملكا . إذن فقد أعطاهم الحق نعمة وفيرة . والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحدد الملكية الواسعة التي تحدد الفرد تحديدا إيمانيا