محمد متولي الشعراوي

3029

تفسير الشعراوى

الطعام . إذن فالغيبيات بعيدة عنهم فهم قد أسرفوا في هذه المادية وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعدل هذا النظام المادي المتطرف فأنزل منهجية روحانية متمثلة في منهج عيسى عليه السّلام ، وشحنهم بمواجيد دينية ليس فيها حكم مادي ، كي تلتحم هذه بتلك ويصير المنهج مستقيما ، لكن الخلاف دب بينهم ، فكان ولا بد أن يأتي دين جديد يجمع المادية المتعقلة الرزينة المتأنية ، والروحانية المقسطة التي لا تفريط فيها ولا إفراط ، إنها الروحانية المتلقاة من السماء دون ابتداع دين يأتي بالاثنتين في صلب دين واحد . فقال لنا : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ( من الآية 29 سورة الفتح ) وهذه كلها قيم تعبدية . فيكون هؤلاء ماديين وروحانيين في آن واحد . ويتابع الحق : ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ( من الآية 29 سورة الفتح ) كأن اللّه ضرب في التوراة مثلا لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : يا من أسرفتم في المادية سيأتي رسول ليعدل ميزان العقائد والتشريع ، فتكون أمته مخالفة لكم تماما . فأنتم ماديون وقوم محمد ركع سجد ، يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود . أي : ما فقدتموه أنتم في منهجكم سيوجد في أمة محمد . ويقول الحق : وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ( من الآية 29 سورة الفتح ) فمثلهم في التوراة ما فقد عند اليهود ؛ ومثلهم في الإنجيل ما فقد عند النصارى . إذن فدين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم جمع بين القيم المادية والقيم الروحية فكان دينا وسطا بين الاثنين . فقال : « قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ » أي