محمد متولي الشعراوي
2992
تفسير الشعراوى
أبا بكر حينما يقول : ولو كنت رأيتك لقتلتك ، فالمقارنة النفسية هنا تكون بين الإيمان باللّه وبين الابن ، ومن المؤكد أن الإيمان يغلب في نفس أبى بكر . وكل من أبى بكر وابنه كان منطقيا مع نفسه . ومثال آخر : « عن جابر بن عبد اللّه أنه غزا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - قبل نجد فلما قفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - قفل معه فأدركتهم القائلة - شدة الحر في وسط النهار - في واد كثير العضاه - شجر عظيم له شوك - فنزل رسول اللّه ، وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ونزل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - تحت سمرة فعلق بها سيفه ، قال جابر : فنمنا نومة فإذا رسول اللّه يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال لي : من يمنعك منى ؟ فقلت له : اللّه . فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - » « 1 » . ولماذا حدث ذلك ؟ لأن الفطرة المستلهمة بدون تدخل من أحد تنضح بالإيمان . وها نحن أولاء نرى الصحابة في العهد الأول حينما اضطهدوا في مكة وهاجروا هجرتهم الأولى إلى الحبشة ؛ هل ذهبوا إليها خبط عشواء ؟ أو ذهبوا بتخطيط نبوي كريم ؟ لقد درس النبي أولا الأرض التي تصلح لاستقبالهم ويقبلهم فيها أهلها كمهاجرين . ودرس النبي أوضاع الجزيرة العربية ووجد أن قريشا تتمكن من كل قبيلة في الجزيرة العربية عندما يأتي موسم الحج ؛ لذلك لن توجد القبيلة التي تحمى المهاجرين فيقول لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق ، حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فيه » « 2 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في المغازي وعند ابن إسحاق بعد قوله : ( اللّه ) فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقال : من يمنعك منى . قال : لا أحد . وعند الواقدي أنه أسلم ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير . ( 2 ) السيرة النبوية لابن هشام عن ابن إسحاق .