محمد متولي الشعراوي

2976

تفسير الشعراوى

« وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا » . أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا فتعتدوا عليهم ، فمن له حق يجب أن يأخذه . ونعرف القصة التي حدثت ، عندما سرق مسلم درع مسلم آخر وأراد السارق وأهله أن يلصقوا التهمة بيهودي وأن يبرئ نفسه ، ولكن اللّه أنزل قرآنا : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) ( سورة النساء ) أي لا تكن يا محمد لصالح الخائنين مخاصما للبرآء . وقوله الحق هنا : « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا » أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا ، وإلا سيكون البغض لصالح عدوكم ، وبغض المؤمن إذا حمله على اتباع هواه سيكون لصالح العدو ؛ لأن اللّه سيعاقب المؤمن لو أدخل الهوى والبغض في إقامة الميزان العادل . فتحكيم البغض والعداء والهوى يكون لصالح الخصوم ؛ لذلك لا يحملنكم أيها المؤمنون شنآن - أي بغض - قوم على ألا تعدلوا . ويضيف الحق : « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » والعدالة حين تطلب مع الخصم هي تقريع لذلك الخصم لأنه خالف الإيمان . ومن المؤكد أن الخصم يقول لنفسه : إن عدالة هذا المسلم لم تمنعه من أن يقول الحق ولا بد أن عقيدته تجعل منه إنسانا قويا ، وأن دينه الذي أمره بذلك هو نعم الدين . إذن ساعة تحكم أيها المؤمن بالعدل لخصمك فأنت تقرعه لأنه ليس مؤمنا ، لكن لو رأى خصمك أنك قد جرت ولم تذهب إلى الحق ، فأنت بذلك تشجعه على أن يبقى كافرا ؛ لأنه سيعرف أنك تتبع الهوى . أما إذا رآك وأنت تقف موقفا يرضى اللّه مع أنه خصم لك ، فهو يستدل من ذلك على أن العقيدة التي آمنت بها هي الحق ، وأنك تقيم الحق حتى في أعدائك . وهكذا يقرع الخصم العقدي نفسه ، وقد يلفته ذلك إلى الإيمان . « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » أقرب إلى أي تقوى ؟ أأقرب إلى تقوى المؤمن ؟ أم أن الخصم يكون أقرب إلى التقوى حين يرى المؤمن مقيما للعدل والحق ، فلعله