محمد متولي الشعراوي

2969

تفسير الشعراوى

ونعلم أننا جميعا عبيد اللّه ، لكن لسنا جميعا عباد اللّه . وهناك فرق بين « عبيد » و « عباد » . فالعبيد هم المرغمون على القهر في أي لون من ألوان حياتهم ، ولا يستطيعون أن يدخلوا اختيارهم فيه . قد نجد متمردا يقول : « أنا لا أؤمن بإله » ولكن هل يستطيع أن يتمرد على ما يقضيه اللّه فيما يجريه اللّه عليه قهرا ؟ فإذا مرض وادعى أنه غير مريض فما الذي يحدث له ؟ أيجرؤ واحد من هؤلاء المتمردين على ألا يموت ؟ ! ! لا أحد يقدر على ذلك . إذن فكل عبد مقهور للّه ، وكلنا عبيد اللّه يستدعينا وقتما يريد ويجرى علينا ما يريد بما فوق الاختيارات . أما « العباد » فهم الذين يأتون إلى ما فيه اختيار لهم ويقولون للّه : لقد نزعنا من أنفسنا صفة الاختيار هذه ورضينا بما تقوله لنا « افعل كذا » و « لا تفعل كذا » . إذن فالعبيد مقهورون بما يجريه عليهم الحق بما يريد ، والعباد هم الذين يرضون ويكون اختيارهم وفق ما يحبه اللّه ويرضاه ؛ إنهم أسلموا الوجه للّه . فهم مقهورون بالاختيار ، أمّا العبيد فمقهورون بالإجبار . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ » . و « قوام » صفة مبالغة والأصل فيها قائم ، فإن أكثر القيام نطلق عليه كلمة « قوام » . ومثال ذلك رجل لا يحترف النجارة وجاء بقطعة من الخشب وأراد أن يسد بها ثقبا في باب بيته ؛ هذا الرجل يقال له : « ناجر » ولا يقال له : « نجار » ، ذلك أن تخصصه في الحياة ليس في النجارة . وكذلك الهاوى الذي يخرج بالسنارة إلى البحر ؛ واصطاد سمكتين ؛ يقال له : « صائد » لكنه ليس صيادا ؛ لأن الصيد ليس حرفته . إن الحق يطلب من كل مؤمن ألا يكون قائما للّه فقط ، ولكن يطلب من كل مؤمن أن يكون قواما ؛ أي مبالغ في القيام بأمر اللّه . والقيام يقابله القعود . وبعد القعود الاضطجاع وهو وضع الجنب على الأرض ثم الاستلقاء ، وبعد ذلك ينام الإنسان . ونحن أمام أكثر من مرحلة : قائم وقاعد ومستلق ، ونائم . والنائم ليس عليه تكليف . والمستلقى هو المستريح على ظهره والحق يقول : فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ ( من الآية 103 سورة النساء )