محمد متولي الشعراوي

2963

تفسير الشعراوى

وللإنسان أن يسأل : وما هو الذكر ؟ . الذكر هو حفظ الشئ أو استحضاره ، فإذا كان حفظ الشئ فهو حفظ لذاته ، لكن الاستحضار يكون لمعنى الشئ . إذن فهناك فرق بين حفظ الشئ واستحضار الشئ ، هذا هو معنى الذكر . وقد يكون الذكر بمعنى القول ؛ لأنك لا تقول الشئ إلا بعد أن تستحضره . ولذلك نجد في تكوين الجهاز العصبى الأعلى ذاكرة ، وحافظة ، ومخيلة . ومن عجيب أمر التكوين الخلقي أن تمر أحداث على الإنسان في زمن مضى ولا يذكرها الإنسان لمدة طويلة تصل إلى سنوات ، ثم يأتي للإنسان ظرف من تداعى المعاني فيذكر الإنسان هذا الشئ الذي حدث منذ عشرين عاما . إذن فالشىء الذي أدركه الإنسان منذ عشرين سنة على سبيل المثال لم يذهب ، ولو ذهب ما ذكره الإنسان ، لكنه غاب فقط عن الذهن عشرين عاما أو أكثر ؛ فلما تداعت المعاني تذكره الإنسان . ومعنى ذلك أن هذا الشئ كان محفوظا عند الإنسان وإن توارى عنه مدة طويلة . فالذاكرة - إذن - معناها أن يستدعى الإنسان المحفوظ ليصير في بؤرة شعوره . مثال ذلك : حادث وقع بين إنسان وآخر منذ أكثر من عشرين عاما . ونسي الإنسان هذا الحادث . فلما التقى بصديقه ، وجلسا يتذاكران الماضي تذكر الصديق الحادث الذي حدث له منذ أكثر من عشرين عاما . إذن فالحادثة لم تذهب من الذاكرة ، ولكنها محفوظة موجودة في حواشي الشعور البعيدة ، وكلما بعد الإنسان في الزمن يبدو وكأنه نسي الحادثة ، لكن عندما يأتي تداعى المعاني فالحادثة تأتى في بؤرة الشعور . فإذا ما جاءت في بؤرة الشعور من حواشي الشعور حيث مخزن الحافظة ، يتذكرها الإنسان . وهذه هي قوة الخالق جل وعلا .