محمد متولي الشعراوي
2961
تفسير الشعراوى
« فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ » وجعل الحق الطهارة بالماء أو التراب إزالة للحرج ؛ فالإنسان الذي لن يجد ماء سيقع في الحرج بالتأكيد ؛ لأنه يريد أن يصلى ولا يجد وسيلة للطهارة . وإذا كان عنده القليل من الماء ليشرب فهل يتوضأ أو يستديم الحياة ويبقى على نفسه بشرب الماء ؟ . ولا يريد اللّه أن يعنت خلقه ولا أن يوقعهم في الحرج ، بل خفف عليهم وجعل عنصر التراب يكفى كبديل للماء . « وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ » . وإياك أن تفهم أن الطهارة هي للتنظيف ؛ لأن معنى الطهارة لو اقتصر على التنظيف لكانت الطهارة بالماء فقط ، فلماذا إذن نمسح وجوهنا بالتراب ؟ إن هذا يوضح أن الطهارة غير النظافة ، فلو قال قائل : سأنظف نفسي ب « الكولونيا » . نقول له : لا . ليس هذا هو المطلوب . واللّه لا يطلب نظافة بهذا المعنى ، ولكن يطلب التطهير . والتطهير يكون بشرط من تدخل عليه - وهو اللّه سبحانه - وقد وضع الحق لذلك أمرين : إما بالماء وإما بالتيمم بالتراب . فالطهارة تجعل المرء صالحا ليستقبل ربه على ضوء ما شرع به . والذي يضع الشرط لذلك هو اللّه وليس أنت أيها العبد . وسبحانه قد أوضح أن العبد يكون طاهرا بالماء أو بالتراب ، وبهذه الطهارة يكون صالحا لاستقبال اللّه له . وأعاد اللّه الإنسان في قربه منه إلى أصل إيجاده وهو الماء والتراب . « وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ » والإنسان مغمور بنعم كثيرة . فهب أن إنسانا غاب عنه أبوه لكن خير الأب يصله كل يوم من مال وطعام وشراب ووسائل ترفيه ، وبذلك يأخذ الإنسان نعمة الغاية من وجود أب له . ومع ذلك يشتاق هذا الإنسان المستمتع بنعمة والده الغائب إلى أن يكون مع والده ، هذا هو تمام النعمة بين الأب والابن وكلاهما مخلوق للّه ، فما بالنا بتمام النعمة من الخالق لعباده ؟ إن العبد الصالح يتمنى أن يرى من أنعم عليه ؛ لذلك وضع الحق شرط الطهارة للقائه . وعندما يحضر الإنسان لحضرة ربه بالصلاة ويكبر : « اللّه أكبر » فهو منذ تلك اللحظة يوجد في حضرة اللّه . وإذا كانت الفيوضات تتجلى على الإنسان من نعمة مخلوق مثله سواء أكان أخا أم أبا أم قريبا وهي نعمة مادية يراها الإنسان سواء أكانت طعاما أم شرابا أم لباسا . فما بالنا بفيوضات المنعم الخالق الذي أنعم على