محمد متولي الشعراوي

2955

تفسير الشعراوى

وكذلك شأن الخلافات في الأمور الاجتهادية . وإذا كانت القاعدة الشرعية تقول : « لا اجتهاد مع النص » فهذا لا يكون إلا مع النص الذي لا يحتمل الاجتهاد . وليس كل التشريع هكذا ؛ لأنه سبحانه أوضح ما لا يحتمل الاجتهاد ، وأوضح ما يحتمل الاجتهاد ؛ وحينما كلف اللّه عبده الإنسان بتكليفات ، إنما كلفه بما يتناسب وتكوينه ، وكما أن تكوين الإنسان فيه أشياء هو مقهور عليها . فهناك الأحكام التي لا اختيار له فيها ، وهناك أمور اختيارية ، وما وصل إليه المجتهد هو حق وصواب يحتمل الخطأ ، وما وصل إليه غيره خطأ يحتمل الحق والصواب . وكل ما وصل إليه طرف من الاجتهاد حق لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صوّب من صلى العصر قبل أن يصل إلى أرض بني قريظة ، وصوب كذلك من صلى العصر بعد أن وصل إلى مواقع بني قريظة . فالرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - اعتبر فعل كل فريق منهما صوابا . ويقول الحق من بعد الأمر بمسح الرأس : « وأرجلكم » . وكان سياق النص يقتضى كسر اللام في « أرجلكم » ولكن الحق جاء بالأرجل معطوفة على غسل الوجه واليدين . وغير معطوفة على « برءوسكم » وهذا يعنى أن الرجلين لا تدخلان في حيز المسح ؛ إنما تدخلان في حيز الغسل . ونبه الحق بالحركة الإعرابية على أنها ليست معطوفة على الجزء المصرح بمسحه ، ولكنّها معطوفة على الأعضاء المطلوب غسلها . ولم يأت الحق بالمسوح في جانب والمغسول في جانب ليدل على أن الترتيب في هذه الأركان أمر تعبدي وإلا لجاء بالمغسول معا والممسوح معا ، ويحدد الحق أيضا غسل الرجلين إلى الكعبين : « وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » . والرجل تطلق على القدم ، وتطلق على القدم والساق إلى أصل الفخذ . ويريد سبحانه غسل الرجلين محدودا إلى الكعبين . وحتى نعلم أن هذه مسائل تعبدية ؛ عرفنا أن اليد تطلق على الكف ، ومن أطراف الأصابع إلى الكتف يطلق عليه « يد » أيضا ، والمرفق في اليد هو الحد الوسط ، و « الكعبين » هو الحد الأول في الساق ؛ لأن الوسط بعد الساق هو الركبة . إذن . ترتيب المسألة في اليدين كف وساعد وعضد ؛ والمرفق في وسط اليد ، وفي الرجلين يقف الأمر عند الحد الأول وهو الكعبان . هي - إذن - مسألة تعبدية وليست مسألة قياسية .