محمد متولي الشعراوي
2952
تفسير الشعراوى
الكعبة والحطيم ، أي ان الاحتياط هنا يكون بالزيادة ؛ لأننا إذا ما طفنا حتى من وراء المسجد فهو طواف حول البيت الحرام . إذن فالاحتياط يكون مرة بالنقص ومرة يكون بالزيادة . وفي مجال الوضوء يكون غسل المرافق هو احتياط بالزيادة ؛ ذلك أن « إلى » تكون الغاية بها مرة داخلة ، ومرة تكون الغاية بها غير داخلة . ثم يقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك : « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ » الأسلوب هنا يختلف ؛ فالمطلوب هو المسح . كان المطلوب أولا هو الغسل للوجه على اطلاقه ؛ لأنه لا خلاف على الوجه ، ثم غسل اليدين إلى المرافق ، وتم تحديد الغاية لأن الحق يريد الغسل لليدين على لون يقطع الجدل والاجتهاد فيه . ولو قال الحق : « امسحوا رؤسكم » مثلما قال : « اغسلوا وجوهكم » لما كان هناك خلاف . لكن لو قال : « امسحوا بعض رءوسكم » فهل يوجد خلاف ؟ نعم فذلك البعض لم يحدد . ولو قال : « امسحوا ربع رءوسكم » فهل يوجد خلاف ؟ نعم قد يوجد خلاف لأن تحديد الربع عسير وشاق . لماذا إذن اختار الحق هنا هذا الأسلوب « امسحوا برءوسكم » مع أن في الآية أساليب كثيرة ، منها أسلوب مجرد عن الغاية ، وأسلوب موجود به الغاية ، وهذا الأسلوب لا هو مجرد ولا هو موجود به الغاية ؟ وقال الحق : « امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ » ولنا أن نبحث عن كيفية استعمال حرف ( الباء ) التي تسبق « رءوسكم » . إن « الباء » في اللغة تأتى بمعان كثيرة . قال ابن مالك في الألفية : بالباء استعن وعد عوض الصق * ومثل « مع » و « من » و « عن » بها انطق ومقصود بها أن تعطى الحرية للمشرع ؛ لأن الباء تأتى لمعان كثيرة ، للاستعانة مثل : كتبت بالقلم ، ولتعدية الفعل اللازم نحو : ذهبت بالمريض إلى الطبيب ، وللتعويض مثل : اشتريت القلم بعشرين جنيها ، والالتصاق نحو : مررت بخالد ، وتأتى بمعنى « مع » مثل : بعتك البيت بأثاثه أي مع أثاثه ، وبمعنى « من » مثل : شرب بماء النيل أي من ماء النيل ، وبمعنى « عن » مثل قوله تعالى : « سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ » أي عن عذاب واقع ، وتأتى أيضا للظرفية نحو : ذهبت إلى