محمد متولي الشعراوي
2619
تفسير الشعراوى
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) ( سورة المائدة ) هابيل - إذن - يسأل قابيل : وما ذنبي أنا في ذلك ، إن اللّه هو الذي يتقبل القربان وليس أنا فلماذا تقلتنى ؟ ويستمر القول الحكيم : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) ( سورة المائدة ) وماذا يقول الحق من بعد ذلك : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) ( سورة المائدة ) كأن مسألة القتل كانت عملية شاقة وليست سهلة ، وأخذت مغالبة . وعلى سبيل المثال : لن يقول أحد : « لقد طوعت الحبل » ولكن هناك من يقول : « أنا طوعت الحديد » . وسعار الغضب جعل قابيل ينسى كل شئ وقت الجريمة ، وبعد أن وقعت ، وهدأ سعار الغضب الذي ستر موازين القيم ، هنا ظهرت موازين القيم ناصعة في النفس . ولذلك نجد من يرتكب جريمة ما ، ويتجه بعد ذلك لتسليم نفسه إلى الشرطة ، وهو يفعل ذلك لأن سعار الجريمة انتهى وظهر ضوء موازين القيم ساطعا . وعلى ذلك نفهم قول الحق : « فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً » . وهذا يدل على أن من يصنع جريمة ثم يرمى البرىء بالإثم إنما يرتكب عملا يتطلب مشقة وتتنازعه نفسه مرة بالندم ؛ لأنه فعل الجريمة ، وتنازعه نفسه مرة ثانية لأنه رمى بريئا بالجريمة ؛ لذلك قال الحق : « فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً » وساعة