محمد متولي الشعراوي

2918

تفسير الشعراوى

من الطاقة ، والزائد سيخزن في الجسم كدهون ولحم ، فإن جاء يوم لا تجد فيه طعاما أخذت من الدهون المخزونة طاقة لك . وهذه من دقة الصنعة ، وإن قارنتها بسيارة صنعها الإنسان إذا ما فرغ منها الوقود فإنها تقف ولا تسير ، أما صنعة الخالق فهي لا تقف إن توقف الطعام بل تستمر إلى ثلاثين يوما ، وربما حن على الإنسان قلب إنسان آخر فأحضر له الطعام ، وربما احتال الإنسان ليخرج من مأزق عدم وجود الطعام . إن المرأة العربية وصفت الشدة والعوز فقالت : « سنة أذابت الشحم ، وسنة أذهبت اللحم ، وسنة محت العظم » أي أن الأمر درجات ، فالإنسان يتغذى من دهنه ثم من لحمه ثم من عظامه ، ويصبر الإنسان على الماء مدة تتراوح ما بين ثلاثة ، وعشرة أيام ، حسب كمية المياه المخزونة في الجسم . أما الهواء فلا يصبر عنه الإنسان إلا بمقدار الشهيق والزفير ، فإن حبس الهواء عن الإنسان مات . فالنفس هو أهم ضرورة للحياة ، ولذلك نجد من حكمة الحق سبحانه أنه لم يملّك الهواء لأحد ؛ لأن أحدا لو امتلك الهواء بالنسبة لإنسان آخر فقد يمنع عنه الهواء لحظة غضب فتنتهى منه الحياة . واللغة العربية فيها من السعة ومن دقة الأداء ما يدل على أن هناك أسرارا للمعاني ، تلتقى عند شئ ما ، فمثلا إذا قلت : نفس ، أو نفيس ، أو نفس ، نجد أنها ثلاث كلمات مكونة من مادة واحدة هي « النون والفاء والسين » ، النفس هي اتصال الروح بالمادة فتنشأ الحياة بها ، ويلهم ربنا النفس فجورها وتقواها ، والنّفس : وهو الريح تدخل وتخرج من فم وأنف الحي ذي الرئة حال التنفس ولا تدوم الحياة إلا به ، وما دام أساس الحياة هو النفس فيجب ألا تكون حياتك إلا من أجل نفيس ، ويجب أن تحترم خلق اللّه لك وألا يكون سعيك في الدنيا إلا من أجل نفيس ، ولا نفيس إلا الإيمان . وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لما يسمى بالجناس ، فنحن نسمى الأكل في الميعاد « وجبة » ، ونسمى المسؤولية « واجبا » ونسمى دقة القلب « الوجيب » . ولذلك عندما أراد الشعراء أن يتفننوا جاء واحد منهم بلفظين متماثلين ولكل منهما معنى مختلف فقال :