محمد متولي الشعراوي

2617

تفسير الشعراوى

إن الأب يقف مع المظلوم ، ويحاول أن يرضيه ، فإن كان الأخ الظالم قد أخذ منه شيئا يساوى عشرة قروش ، فالأب يعوض الابن المظلوم بشئ يساوى مائة قرش . ويعيش الظالم في حسرة ، ولو علم أن والده سيكرم أخاه المظلوم لما ظلمه أبدا . إذن فالظلم قمة من قمم الغباء . ومن ضمن المفارقات التي تروى مفارقة تقول : إن كنت ولا بد مغتابا فاغتب أبويك . ولا بد أن يقول السامع لذلك : وكيف أغتاب أبى وأمي ؟ فيقول صاحب المفارقة : إن والديك أولى بحسناتك ، فبدلا من أن تعطى حسناتك لعدوك ، ابحث عمن تحبهم وأعطهم حسناتك . وحيثية ذلك هي : لا تكن أيها المغتاب أحمق لأنك لا تغتاب إلا عن عداوة ، وكيف تعطى لعدوك حسناتك وهي نتيجة أعمالك ؟ ونعرف ما فعله سيدنا الحسن البصري ، عندما بلغه أن واحدا قد اغتابه . فأرسل إلى المغتاب طبقا من البلح الرطب مع رسول ، وقال للرسول : اذهب بهذا الطبق إلى فلان وقل له : بلغ سيدي أنك اغتبته بالأمس فأهديت له حسناتك ، وحسناتك بلا شك أثمن من هذا الرطب . وفي هذا إيضاح كاف لذم الغيبة . « ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان اللّه عليما حكيما » ونعلم أنه إذا جاءت أي صفة من صفات الحق داخلة في صورة كينونة أي مسبوقة ب « كان » فإياكم أن تأخذوا « كان » على أنها وصف لما حدث في زمن ماض ، ولكن لنقل « كان وما زال » . لماذا ؟ لأن اللّه كان أزلا ، فهو غفور رحيم قبل أن يوجد مغفور له أو مرحوم ؛ فاللّه ليس من أهل الأغيار ، والصفات ثابتة له ؛ لأن الزمن في الأحداث يتغير بالنسبة للأغيار فقط ، وعلى سبيل المثال نجد الواحد من البشر صحيحا في زمن ومريضا في زمن آخر . ولذلك لا يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الماضي إلا أصحاب الأغيار . وكذلك لا يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الحاضر إلا في أصحاب الأغيار . وما دام اللّه هو الذي يغير ولا يتغير فلن يغيره زمن ما ، بل كان في الأزل غفورا رحيما ، ولا يزال أيضا غفورا رحيما . وكذلك كان علم اللّه أزليا وحكمته لا حدود لها .