محمد متولي الشعراوي
2888
تفسير الشعراوى
بِالْعُقُودِ » والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول ، ولم يقل : يا أيها المؤمنون » ، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمرا عابرا يمر بالإنسان فترة من الزمن ؛ ولكن الإيمان أمر يتجدد بتجدد الفعل حتى ينفذ المؤمن الأحكام التي جاء بها العقد الإيمانى . وحين يتوجه الحق بخطابه للذين آمنوا ، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه ، وإن كان سبحانه كرب للعالمين قد خلق الخلق وأوجد الوجود وسخرّه للخلق . اللّه - سبحانه وتعالى - لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان ، بل دعا الناس جميعا أولا إلى الإيمان ، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول الحق : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » أي يا من آمنتم باللّه إلها . والإله لا بد له من صفات تناسب الألوهية ، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة والقهر . وسبحانه لا يكلف من لم يؤمن به ، بل يدعو من لم يؤمن إلى الإيمان ، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ » ؛ * لأن لكل إيمان تبعة . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » ونعرف أن اللغة بها أسرة ألفاظ ؛ ف « أوفوا » على سبيل المثال فيها « وفي » . والمضارع هو « يفي » ، وفي أفعالها « أوفى » و « وفّى » ، حسب المراحل المختلفة قوة وضعفا وكثرة وقلة ، مثال ذلك قوله الحق : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) ( سورة النجم ) وقد قام سيدنا إبراهيم عليه السّلام بالكثير من الإنجاز : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ( من الآية 124 سورة البقرة ) ولا بد أن يكون قوله الحق : « وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى » شرحا لما قام به إبراهيم من مواجهة الابتلاء ، فالتوفية هي الإتمام . والحق يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » أي عليكم يا من آمنتم باللّه أن تتموا العقود . والتمام إما أن ينطلق إلى الأفراد ويشملها فلا ينقص فرد ، وإما أن يلتفت إلى الكيفيات فلا تختل كيفية ، هذا هو التمام . وقد يأتي إنسان بكل فصول الكتاب ويقرأها ، فيكون قد وفي قراءة كل الأجزاء ، ولكن الحق يريد أن يتقن الإنسان تنفيذ كل جزئية في كتاب التكليف .