محمد متولي الشعراوي
2886
تفسير الشعراوى
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) ( سورة الأعلى ) وعندما يقرأ الرسول فهو يقرأ الذي نزل عليه في اليوم نفسه متصلا بما نزل عليه من عام قبل ذلك ، وتلك معجزة بكل المقاييس ؛ لأن الفرد العادي إذا تكلم في موضوع ما لعشر دقائق ثم يسأله أي فرد من بعد ذلك بساعة : هل تسمح بإعادة ما كنت تقول منذ ساعة ؟ . فإنه لن يستطيع أن يتذكر بالحروف والمعاني ما قاله من قبل . لكن ها نحن أولاء أمام رسول يأمر صحابته أن يكتبوا ويأمر الحافظين للقرآن أن يحفظوا ، ثم يقف في الصلاة ليقرأ الآية التي نزلت من عام ملحقة بآية نزلت بعدها بستة أشهر ملحقة بآية نزلت بعدها بشهر ، ملحقة بآية نزلت بعدها بالأمس . وكان هذا دليلا على أن أمر هذا القرآن ليس بيد محمد ، بل بأمر رب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، الذي رتّب حروف القرآن ليقرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مصداقا لقوله الحق : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) ( سورة الأعلى ) ويأتي جبريل كل عام ليرتب مع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن ويدارسه في رمضان . ويأتي جبريل في رمضان الأخير في العام الأخير من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليعرض عليه القرآن مرتين . إذن فالمسألة ليست نزول قرآن فحسب ، ولكنها نزول للقرآن ثم ترتيب للقرآن على صورة تخالف الحالة والصورة التي نزل عليها . فلو كان القرآن قد ترتب حسب النزول ، لقال بعضهم إنه مجرد تعبير عن مواقف مختلفة . لكن الحق أراد أن يعيد ترتيب القرآن ليكون معجزة أبدية . فالقرآن ليس بأمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وكل حرف نزل بهذا الترتيب مقصود به إثبات أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو المبلغ بالقرآن ، فما كان لعقل بشرى أن يرتب هذا الترتيب . بل رتبه الذي أنزل القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، إنه اللّه - سبحانه - وتعالى جل شأنه . وهكذا جاءت سورة المائدة بعد سورة النساء في الترتيب المصحفى ، وعندما ننظر إلى « سورة المائدة » . نعلم أولا ما معنى المائدة ؟ إنها الخوان عليه الطعام والشراب