محمد متولي الشعراوي

2864

تفسير الشعراوى

الخلق ، فمرة يقول إن الخلق كان من ماء ومرة كان من تراب ، ومرة كان من طين ، ومرة كان من صلصال . ونقول : أحين يتكلم الحق عن مراحل الخلق فهل في هذا تضاد ؟ . أصل الخلق ماء ، خلطه الحق بتراب ، وبعد وضع الماء على التراب صار الاثنان طينا ، ثم إذا تركنا الطين إلى أن يختمر ، يصير حمأ مسنونا ، وبعد ذلك يصير صلصالا ، ومن بعد ذلك خلق منه الحق آدم . إذن فكل شئ تكلم عنه سبحانه في خلق آدم إنما يتفق مع كل الآيات التي جاءت عن هذا الخلق . وهو القائل عن آدم : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ( من الآية 29 سورة الحجر ) وبعد صنع اللّه القالب الذي يشبه التمثال الذي نراه ، ولكن تنقصه الحركة والحياة ، فيأتي النفخ في الروح بكلمة « كن » . إذن نحن نحتاج إلى روح وإلى كلمة . والروح عنصر وجودي . وعندما تختلط بالقالب تحدث الحياة ، ولا بد من بعد ذلك من الإرادة بكلمة « كن » . ولذلك نجد الإنسان قد يصنع نفس خلطة الإنسان الكيماوية لكنها لا تصير إنسانا ؛ لأن الأمر ينقص الإذن بميلاد الإنسان . وساعة يتكلم الحق عن خلق آدم وهو أمر لم نشهده ، فذلك من رحمته بنا ، ويترك لنا سبحانه في الكون دليلا على صدقه عن خلق آدم ، فإذا كنا لم نشهد خلق الحياة فنحن نشهد نقيض الحياة وهو الموت ، الذي يحدث فيه أولا خروج الروح ، ومن بعد ذلك ينتفخ الجسم كأنه الحمأ المسنون ، ثم يتبخر الماء ، وبعد ذلك يتحلل إلى تراب . هذه هي مراحل الموت التي تبدأ من خروج الروح ويتصلب الجسم إلى أن يرم ثم يتبخر الماء ، وتبقى العناصر في الأرض . وإذا كنا لم نعرف كيف بدأت الحياة ، فنحن نعرف كيف انتهت الحياة أمامنا بالأمر المشهدي ، وجعل سبحانه أمر انتهاء الحياة أمامنا دليلا على صدقة في إخبارنا بالحياة وكيف بدأت ؛ لأن نقض الحياة يكون بالموت ، ونقض أي شئ إنما يتم على عكس طريقة بنائه . وآخر أمر دخل في الإنسان هو الروح ، ولذلك فهي أول ما يخرج من الإنسان عند الموت . وبعد ذلك يتصلب الجسم ، وبعد ذلك يصير رمة وهي الحمأ المسنون . وبعد ذلك يتبخر الماء ويبقى أخيرا التراب .