محمد متولي الشعراوي
2815
تفسير الشعراوى
ونعلم أن الحق حينما يتكلم ، يأتي بضمير التكلم . وضمير التكلم له ثلاثة أوجه ، فهو يقول مرة : « إنا » ومرة ثانية : « إنني » وثالثة يخاطب خلقه بقوله : « نحن » . وهنا يقول : « إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا » . ونشاهد في موقع آخر من القرآن الكريم قوله الحق : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ( من الآية 14 سورة طه ) وفي موضع ثالث يقول : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) ( سورة الحجر ) لأن الذكر يحتاج إلى صفات كثيرة ومتنوعة تتكاتف لتنزيل الذكر وحفظه . وحين يخاطب اللّه خلقه يخاطبهم بما يجلى مواقع الصفات من الكون الذي نعيش فيه . والكون الذي نعيش فيه يمتلئ بالكائنات التي تخدم الإنسان ، وهذه الكائنات قد احتاجت إلى الكثير لتهيىء للإنسان الكون قبل أن يوجد الإنسان ، وذلك حتى يأتي إلى الكون ليجد نعم اللّه له ؛ فالإنسان هو الذي طرأ على كون اللّه . هذا الكون الذي صار إلى إبداع كبير احتاج إلى صفات كثيرة لإعداده ، احتاج إلى علم عن الأشياء ، وإلى حكمة لوضع كل شئ في مكانه ، ولقدرة تبرزه ، وإلى غنى بخزائنه حتى يفيض على هذا الموقع بخير يختلف عن خير الموقع الآخر ، وساعة يكون العمل متطلبا لمجالات صفات متعددة من صفات الحق ، يقول سبحانه : « إنّا » أو « نحن » . وعندما يأتي الحديث عن ذات الحق سبحانه وتعالى يقول : « إِنِّي أَنَا اللَّهُ » . ولا تأتى في هذه الحالة « إنّا » ولا تأتى « نحن » . والحق هنا يقول : « إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ » أي أنه أوحى بمنهج ليصير الإنسان سيدا في