محمد متولي الشعراوي
2809
تفسير الشعراوى
تتناول السكريات مرة أخرى . ويشتهى المريض السكر والحلوى ويملك القدرة على شرائهما ، ولكنها محرمة عليه ، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول له : بظلم منك لنفسك حرمت ما أحللته لك . وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة ، ويقوم له الآخرون بطحن الغلال ، ويأمر بأن يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف الدقيق الخالي من أية قدر من « النخالة » ، ويصنعون له الخبز الأبيض ، ويأكله بينما الاتباع يصنعون لأنفسهم الخبز من الدقيق الأقل نقاوة ، فتقول له سنة اللّه : ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علاجا لأمعائك لأنك أسرفت على نفسك في أكل الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان الدقيق ، فبظلم منك حرمنا ما أحل لك . وعندما نرى إنسانا قد حرم من نعمة من نعم اللّه التي هي حلال له ، نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئا حرمه اللّه عليه ، أو أسرف في استعمال حق أحله اللّه له ، ولا أحد منا يفلت من رقابة اللّه . إذن فالتحريم قد يكون بالتشريع ، إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع ، وقد يكون تحريما بالطبع والفطرة إن كان في الأمر إسراف من النفس . ولنقرأ دائما هذه الآية : « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً » وكذلك الذين يأخذون مالا بالربا ، لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم ، لماذا تريدون المال ؟ . أتريدون المال لذات المال ؛ أم لهدف آخر ؟ . صحيح أن المال رزق ، لكنه رزق غير مباشر ؛ لأنه يشترى به الأشياء التي ينتفع بها الإنسان ، وهي الرزق المباشر . وقلنا قديما : هب أن إنسانا في صحراء ومعه جبل من ذهب لكن الطعام انقطع منه ، وجبل الذهب في مثل هذه الحالة لا ينفع ، بل يصبح رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب . والذي يزيد ماله بالربا ، أيريد تلك الزيادة من أجل المتع ؟ . سبحانه يمحق ذلك المال ويذهبه في كوارث . ومن أراد أن يبقى له ما أحل اللّه إلا ؟ ؟ ؟ أن يأتي أجله فعليه ألا يبيح لنفسه أي شئ