محمد متولي الشعراوي

2805

تفسير الشعراوى

وإذا قال الحق : « وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً » فمعنى هذا : ما أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى عليه السّلام رسولا وعبدا وبشرا قبل أن يموت . والضمير في قوله : « إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ » يرجع إلى عيسى . والضمير الآخر الموجود في « قبل موته » قد يرجع إلى عيسى أي قبل موت عيسى ولن يموت عليه السّلام الموتة الحقيقية التي تنهى أجله في الحياة إلا بعد أن يؤمنوا به عبدا ورسولا وبشرا ، ولن يتحقق ذلك إلا إذا جاء بشحمه ولحمه ودمه ليقول لهم : أنتم مخطئون في أنكم أنكرتم بشارتى بمحمد الخاتم ، وأنتم مخطئون في اتهامكم لأمى ، والدليل على خطئكم هو أنني جئت مبشرا برسول للناس كافة هو محمد بن عبد اللّه ، وهأنذا أصلى خلف واحد من أمة ذلك الرسول . فلن يأتي عيسى - عليه السّلام - بتشريع جديد بل ليصلى خلف واحد من المؤمنين بمحمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وحين يصنع عيسى ابن مريم ذلك ، ماذا سيقول الذين فتنوا فيه ؟ . لا شك أنهم سيعلنون الإيمان برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو أن كل كتابي من الذين عاشوا في المسافة الزمنية من بعد رفعه وحتى نزوله مرة أخرى سيعلن الإيمان بعيسى كبشر ورسول وعبد قبل أن يموت ولو في غيبوبة النهاية عندما تبلغ الروح الحلقوم وتتردد في الحلق عند الموت . فقد يصح أن تكون الآية عامة « وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ » ويعود الضمير فيها إلى كل كتابي قبل أن يموت . إن النفس البشرية لها هوى قد يستر عنها الحقائق ويغلق دونها باب اليقين ويدفعها إلى ذلك غرور الحياة ، فإذا ما جاءت سكرة الموت بالحق ، انتهى كل شئ يبعد الإنسان عن منهج الحق واليقين ؛ ولا تبقى إلا القضايا بحقها وصدقها ويقينها ، وتستيقظ النفس البشرية لحظة تظن أنها ستلقى اللّه فيها ويسقط غرور الحياة ، ويراجع الإنسان منهم نفسه في هذه اللحظة ، ويقول : أنا اتبعت هوى نفسي . ولكن أينفع مثل هذا اللون من الإيمان صاحبه ؟ لا ؛ لأن مثله في ذلك مثل إيمان فرعون ، فقد قال حين أدركه الغرق : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( من الآية 90 سورة يونس )