محمد متولي الشعراوي

2800

تفسير الشعراوى

ابن مريم قال : « وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ » . والنسبة الأولى المذكورة هنا هي الشك ، وهو نسبة يتساوى فيها الأمران . والنسبة الثانية هي اتباعهم للظن ، وهو نسبة راجحة . لقد بدأ الأمر بالنسبة إليهم شكا ثم انقلب ظنا . وينهى الحق ذلك بعلم يقيني « وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً » وسبحانه ينفى بذلك أنهم قتلوه يقينا ، واليقين - كما نعلم - هو الأمر الثابت المعقود في الواقع والأعماق بحيث لا يطفو إلى الذهن ليناقش من جديد أو يتغير ، وله مراحل هي : مرحلة العلم ، واسمها علم اليقين ، ومرحلة العين ، واسمها عين اليقين ، ومرحلة الحقيقة ، واسمها حق اليقين . وعندما يخبرنا واحد من الناس أن جزءا من نيويورك اسمه « مانهاتن » . وأن ما نهاتن هذه هي جزيرة يصل تعداد سكانها إلى عشرة ملايين نسمة ، وفيها ناطحات سحاب ، وجاء هذا الخبر ممن لا نعرف عنه الكذب فيسمعه من لم ير نيويورك ، فيصير مضمون الخبر عنده علما متيقنا ؛ لأن الذي أخبر به موثوق به . وإن جاء آخر ووجه للسامع عن نيويورك دعوة لزيارتها ولبى السامع الدعوة وذهب إلى نيويورك ، هنا تحول الخبر من « علم اليقين » إلى « عين اليقين » . وإن جاء ثالث وصحب السامع إلى قلب نيويورك وطاف به في كل شوارعها ومبانيها ، فهذا هو « حق اليقين » . وأسمى أنواع اليقين هو « حق اليقين » ، وقبلها « عين اليقين » ، وقبل « عين اليقين » « علم اليقين » . وحينما عرض سبحانه المسألة قال : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ( سورة التكاثر ) هو سبحانه يعطينا علم اليقين ، ويصدقه المؤمنون بهذا العلم قبل أن يروه ، وسيرى المؤمنون وهم على الصراط النار وذلك عين اليقين . أما مسألة دخول الذين يرون الجحيم إليها فأمر سكت عنه الحق ؛ لأن هناك من يدخل الجنة ولا يدخل