محمد متولي الشعراوي

2605

تفسير الشعراوى

الكتب وهو القرآن ، وإن كان « الكتاب » يطلق على المكتوب الذي نزل على أي رسول من اللّه سبحانه وتعالى . « إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ » والحق هو الشئ الثابت الذي لا يأتي واقع آخر لينقضه . وعلى سبيل المثال : أنت في حياتك العادية حين تقول قضية صدق تحكى بها واقعا حدث مهما تكررت روايتك لهذه التفاصيل مدة عشرين سنة فهي لا تتغير ؛ لأنها مطابقة للواقع . وأنت حين تقولها تستحضر الواقع الذي حدث أمامك . ولكن إذا حدّث إنسان بقضية كذب لا واقع له . فماذا يكون موقفه ؟ سيحكى القضية مرة بأسلوب ، وإن مر عليه أسبوع فهو ينسى بعضا مما قاله في أول مرة فيحكى وقائع أخرى ، ذلك أن ما يرويه ليس له واقع ؛ لذلك يقول كلاما مغايرا لما قاله في المرة الأولى ، وهنا يعرف السامع أن هذه المسألة كاذبة . إذن فالحق هو الشئ الثابت الذي لا ينقضه واقع أبدا . وأنزل اللّه الكتاب بالحق أي أنزله بالقضايا الثابتة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ، فهو ثابت لا ينقضه واقع . ويقال في حياتنا للتلميذ الناجح من أساتذته : لقد أعطيناك المرتبة الأولى على زملائك بالحق . أي أن هذا التلميذ قد أخذ حقه لأنه يستحق هذه المكانة . وقوله الحق سبحانه : « إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ » أي إن إنزال الكتاب على سيدنا رسول اللّه ليبلغه جاء ملتبسا ومرتبطا بالحق ولا ينفك عنه وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أهل لأن ينزل عليه الكتاب . ووجود معنى بجانب معنى في القرآن هو من أسرار إشعاعات الكلمات القرآنية ، فهي لا تتناقض ولكنها توضع بحكمة الخالق لتجلو لنا المعاني . « إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ » وهذا يوضح لنا أن حكومة الدين الإسلامي وعلى رأسها الحاكم الأول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما جاء لا ليحكم بين المؤمنين به فقط ، بل ليحكم بين الناس . ومن شرط الحكم بين الناس القيام بالعدل فيما يختصمون فيه ، فلا يقولن واحد : هذا مسلم ، وذاك كافر ، فإذا كان الحق مع الكافر فلا بد أن تعطيه له ، وإذا كان الحق مع المسلم فيجب أن تعطيه له ؛ لأنك لا تحكم بين المؤمنين فقط ولكنك تحكم بين الناس .