محمد متولي الشعراوي

2787

تفسير الشعراوى

إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السّلام ؟ . لقد نقض أمامهم الأساس التقليدى المادي لمجىء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى ، وجاء عيسى عليه السّلام من أم دون أب . ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر ، فإن أراد البشر مسبّبا فعليهم أن يأخذوا الأسباب ، أما سبحانه وتعالى فهو مسبّب الأسباب وخالقها وهو القادر - وحده - على ايجاد الشئ بتنحية كل الأسباب . ونعلم أن قضية الخلق دارت على أربعة أنحاء ، إما أن ينشأ الشئ من وجود الشيئين ، هذه هي الصورة الأولى . وإما أن ينشأ الشئ من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية . وإما أن ينشأ الشئ من وجود الشئ الأول وعدم وجود الشئ الثاني ، وهذه هي الصورة الثالثة ، وإما أن ينشأ الشئ من وجود الشئ الثاني مع عدم وجود الشئ الأول ، وهذه هي الصورة الرابعة . تلك هي الصور الأربع لوجود شئ ما . ولم يشأ اللّه أن يجعل الخلق - وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون - على نحو واحد ؛ حتى لا يقولن أحد : إن السببية مشروطة للوجود . بل المسبّب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السّلام من غير أب ولا أم ، وخلقنا جميعا نحن من أب وأم ، وخلق عيسى عليه السّلام من أم دون أب ، وخلق حواء من أب دون أم . هذه هي القسمة العقلية الواضحة ، فليست المسألة عنصرية موجودة ، ولكن قيمة واقتدار واجد . وقدرة الحق تتجلى أيضا أمامنا حينما تكون الأسباب موجودة كالأب والأم . لكن يشاء سبحانه أن يكون الاثنان عقيمين فهو القائل : لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً ( سورة الشورى ) إذن فليست المسألة مدار أسباب توجد ، بل مسبّب يريد أن يوجد ، وأراد الحق