محمد متولي الشعراوي

2785

تفسير الشعراوى

على قلوبهم ؟ وأقول : إياك أن تقول إن هناك كلمة في القرآن مكررة لأن الذي يتكلم هو اللّه سبحانه وتعالى الذي لا ينسى شيئا ، ولا يكرر من غير داع ، والكفر أيضا على درجات ، مرة يكون الكفر باللّه ، ومرة يكون الكفر بآيات اللّه ، وثالثة يكون الكفر بالرسل ، ورابعة يكون الكفر ببعض النبيين ، وخامسة يكون الكفر ببعض الكتب السماوية . إذن فألوان الكفر شتى . والكفر في الآية السابقة كان كفرا بآيات اللّه ، أما كفرهم في هذه الآية فالحق يشرحه : « وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً » . لقد كفروا بعيسى عليه السّلام ، وقالوا البهتان العظيم على مريم ، هذا كفر بآيات اللّه وبرسول من عند اللّه . وقوله الحق : « وَبِكُفْرِهِمْ » هو عطف على « نَقْضِهِمْ » وعلى « كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ » وعلى « قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ » وعلى « قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ » . ونلاحظ هنا أن الحقّ لم يذكر الباء التي جاءت في أول الآية السابقة حين قال : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ » . وهذا يدل على أننا أمام مناط الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى . فقد كان يكفى ارتكابهم لأي واحدة من هذه الأعمال المذكورة لكي يطبع اللّه على قلوبهم ، ولكنهم ارتكبوا كل الأعمال المذكورة مجتمعة ، ولم يرتكبوا فعلا واحدا منها . وهذا دليل على أن اللّه لا يترصد لعبيده ، ولا يتصيد ويحتال ليوقعهم في الكفر ولكن يحنن العباد إلى الإيمان . لقد ارتكبوا أربعة أفعال جسيمة : نقضوا الميثاق ، وكفروا بآيات اللّه ، وقتلوا الأنبياء بغير حق ، وادعوا أن اللّه طبع على قلوبهم . وحين جعل هذه الأفعال الأربعة جريمة واحدة فهذا فضل ورحمة منه . وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى : « وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً » وهنا نجد أنه سبحانه قد ساوى بين قولهم البهتان على مريم وبين كل الأفعال السابقة ؛ لأنهم اعترضوا على رسالة ونبوة عيسى عليه السّلام وهو نبي من أولى العزم