محمد متولي الشعراوي

2777

تفسير الشعراوى

الصاعقة مزعج قد يخرق طبلة الأذن ، ودليل على أن ازعاج الصاعقة فوق طاقة الانسداد بأصبع واحدة ؛ لأن الإنسان ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف الأصبع لا بكل الأصابع . وبلغ من شدة ازعاج الصوت أنهم كلما وضعوا أناملهم في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج . إذن فالصاعقة صوت مزعج يأتي من أعلى ، وبعد ذلك ينزل قضاء اللّه إما بأمر مهلك وإمّا بنار تحرق وإما بريح تدمر « فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ » والظلم هو أن تجعل حقا لغير صاحبه ؛ ولا تجعل حقا لغير صاحبه إلا أن تكون قد أخذت حقا من صاحبه . وسؤالهم هذا لون من الظلم ؛ لأن الإدراك للأشياء هو إحاطة المدرك بالمدرك . وحين تدرك شيئا بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشئ المدرك وحيّزته بالتفصيل ، وكذلك الأذن عندما تسمع الصوت ، وكذلك الأنف عندما تشم الرائحة ، وكذلك اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة ، وكذلك الذوق ليحس الإنسان الطعم . إذن فمعنى الإدراك بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشئ المدرك إحاطة شاملة جامعة . فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا اللّه جهرة ، فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الإدراك وهي العين محيطة باللّه . وحين يحيط المدرك بالمدرك ، يقال قدر عليه . وهل ينقلب القادر الأعلى مقدورا عليه ؟ حاشا للّه . وذلك مطلق الظلم ونهايته ، فمن الجائز أن يرى الإنسان إنسانا ، ولكن لا يستقيم أبدا ولا يصح أن ينقل الإنسان هذه المسألة إلى اللّه ، لماذا ؟ لأنه سبحانه القائل : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ( من الآية 103 سورة الأنعام ) وما دام اللّه إلها قادرا فلن ينقلب إلى مقدور . ونحن إن أعطينا لواحد مسألة ليحلها ، فهذا معناه أن فكره قد قدر عليها . وأما إذا أعطيناه مسألة ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها . إذن فكل شئ يقع تحت دائرة الإدراك ، يقول لنا : إن الآلة المدركة قد قدرت عليه .