محمد متولي الشعراوي
2769
تفسير الشعراوى
وعندما جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آمن به بعض وكفر به بعض . ولذلك سمى الحق كفرهم بالنبي الخاتم : ( ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) * . أي أنه كفر في القمة ، فلن يأتي نبي من بعد ذلك . واكتمل به صلّى اللّه عليه وسلّم موكب الرسالات . إذن فالمراد من الآية أن الإيمان فيه إيمان قمة ، تؤمن بقوة لكنك لا تعرف اسم هذه القوة ولا مطلوبات هذه القوة ولا ما أعدته القوة من ثواب للمطيع ولا من عقاب للعاصي . ولذلك كان ولا بد أن يوجد رسول ؛ لأن العقل يقود إلى ضرورة الإيمان باللّه والرسل . وجاء الرسل في موكب واحد لتصفية العقيدة الإيمانية لإله واحد ، فلا يقولن واحد : لقد آمنت بهذا الرسول وكفرت ببقية الرسل . والآية التي نحن بصددها الآن تتعرض لذلك فتقول : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ( 150 ) ( سورة النساء ) ونحن نعلم أن « كفر » معناها « ستر » . والستر - كما نعلم - يقتضى شيئا تستره ، والشئ الذي يتم ستره موجود قبل الستر لا بعد الستر . والذي يكفر بوجود اللّه هو من يستر وجود اللّه ؛ فكأن وجود اللّه قد سبق الكفر به . إذن فكلمة الكفر باللّه دليل على وجود اللّه . ونقول للكافر : ماذا سترت بكفرك ؟ وستكون إجابته هي : « اللّه » . أي أنه آمن باللّه أولا . « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ » هم الحمقى ؛ لأن هذا أمر غير ممكن ، وكل رسول إنما جاء ليصل المرسل إليهم بمن أرسله . ولذلك نجد قوله الحق : وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ( من الآية 74 سورة التوبة ) إنه حدث واحد من اللّه ورسوله . لذلك نجد أن الحمقى هم من يريدون أن يفرقوا بين اللّه ورسله : « وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ » لهؤلاء نقول : إن الإيمان قضية كلية ، فموكب الرسالة من الحق سبحانه وتعالى يتضمن عقائد واحدة