محمد متولي الشعراوي
2764
تفسير الشعراوى
وأنت لا تهتدى إلى معرفة اسم القوة الخالقة لك إلا بوساطة رسول منزل من عند اللّه . ونعرف أن عمل العقل في الاستنباط العقدي عاجز عن معرفة اسم خالق الكون ؛ لأن الإنسان قد طرأ على كون منظم ، وكان من الواجب عليه أن يلتفت لفتة ليعلم القوة التي سبقت هذا الوجود وخلقته وأن الإنسان قد طرأ على وجود متكامل . وقد يسمع الإنسان من أبيه - مثلا - أن هذا البيت بناه الأب أو الجد ، وذلك الشئ فعله فلان ابن فلان . لكن لم يسمع أحدا يقول له : « ومن بنى السماء ؟ » ولم يسمع أحدا يقول : « ومن خلق الشمس ؟ » ، مع أن الناس تدعى ما ليس لها ، فكيف يترك أعظم ما في كون اللّه بدون أن نعرف من أوجده ؟ . إننا نجد الناس تؤرخ للشئ التافه أو المهم نسبيا في حياتهم ، نجد دراسات عن تاريخ أحجار ، ودراسات عن تاريخ صناعة الأشياء ؛ تاريخ المصباح الكهربى الذي اخترعه اديسون وقام بتوليد الكهرباء من مصادر ضئيلة ويسيره ، باختصار ، نجد أن كل شئ في هذا الوجود له تاريخ ، وهذا التاريخ يرجع بالشئ إلى أصل وجوده . وأنت إن نسبت أي صنعة مهما كانت مهمة أو تافهة نكتشف أن واحدا تلقاها عن واحد ، ولم يبتكرها هو دفعة واحدة . إن كل مبتكر أخذ ما انتهى إليه سابقه وبدأ عملا جديدا إلى أن وصلت المخترعات بميلادها ، ومن يصدق أن مصباحا يضئ وينطفئ ويحترق يصنعه إنسان ونعرف له تاريخا ، وبعد ذلك ننظر إلى الشمس التي لم تخفت ولم تضعف ولم تنطفىء ولم تحترق ، والمصباح ينير حيزا قليلا يسيرا ، والشمس تنير كونا ووجودا ، ألا تحتاج الشمس إلى من يفكر في تاريخها ؟ لقد سبق لنا أن قلنا : إن الإنسان حينما ينظر إلى الكون نظرة بعيدة عن فكرة الدين وبعيدا عن بلاغ الرسل عن الخالق وكيفية الخلق ومنهج الهداية ، فهو يقول لنفسه : تختلف مقادير الناس باختلاف مراكزها وقوتها فيما يفعلون ، هناك من يجلس على كرسي من شجر الجميز . وآخر على كرسي مصنوع من شجر الورد ، وثالث يجلس على حصيرة .