محمد متولي الشعراوي

2739

تفسير الشعراوى

بين طرفين . وكذلك نقول : شارك فلان فلانا ؛ لأن مادة « فاعل » تحتاج إلى طرفين . لكن عندما نقول « قتل » ، فالفعل يحدث من جانب واحد . والخداع يبدأ من واحد ، وعندما يرى الشخص الذي يراد خداعه أن خصمه أقوى منه فإنه يبيت له خداعا آخر . وتسمى العملية كلها « مخادعة » ، ويقال : خادعه فخدعه إذا غلبه وكان أخدع منه . ومن إذن الذي غلب ؟ إن الذي بيّت الخداع ردا على خداع خصمه هو الغالب . ولأن الخداع يحدث أولا ، وبعد ذلك يتلقى « المخدوع » الأمر بتبييت أكبر ؛ فهو « خادع » ، والذي يغلب نقول عنه : « أخدعه » أي أزال خداعه . واللّه سبحانه وتعالى عاملهم بمثل ما أرادوا أن يعاملوا به المؤمنين ، فالمنافقون أظهروا الإيمان أولا وأضمروا الكفر ، وأعطاهم اللّه في ظاهر الأمر أحكام المسلمين ، وفي الباطن قرر أن يعذبهم عذاب الكافرين بل وأشد من ذلك ؛ لأنهم سيكونون في الدرك الأسفل من النار . « إن المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم » وإياك أيها المسلم أن تشتق من هذه العملية اسما للّه وتقول « المخادع » ؛ لأن أسماء اللّه توقيفية أي لا نسمى اللّه إلا بالأسماء التي سمّى بها نفسه . وسبحانه يفعل الفعل ، لكن لا تأخذ من هذا الفعل اسما ، والحق يعطينا هنا « مشاكلة » ليوضح لنا أن المنافقين يمكرون ويبيتون شرا للمؤمنين ، وأنت أيها المسلم تعرف أن الإنسان إنما يبيت الشر على قدر طاقته التي مهما كبرت فهي محدودة بجانب طلاقة قدرة اللّه . ولذلك يفضح اللّه هذا الشر المبيت من هؤلاء المنافقين ، وهم حين يمكرون فاللّه بطلاقة قدرته يمكر بهم أي يبطل مكرهم ويجازيهم على سوء فعلتهم ، ولا نقول : « اللّه ماكر » . وللّه أن يقول في الفعل المشاكل ما يشاء . « إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى » . إن الغايات من الأحداث هي التي تضفي على الجوارح الإقبال على الأحداث ، فإذا كنت تحب الحدث الذي تقبل عليه فأنت تقبل عليه بكل اشتياق ولهفة . ويقيسون لهفة اللقاء لأنها تحدد درجة المحبة . والشاعر العربي يصف لقاء حبيب بحبيبته :