محمد متولي الشعراوي
2733
تفسير الشعراوى
نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » واستحوذ على الشئ أي حازه وجعله في حيزه وملكه وسلطانه . والحق هو القائل : اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ( من الآية 12 سورة المجادلة ) أي جعلهم الشيطان في حيزه ، وقول المنافقين للكافرين : « أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ » يكشف موقفهم عندما تقوم معركة بين معسكرى الكفر والإيمان فيحاول المنافقون معرفة تفاصيل ما ينويه المؤمنون ، ولحظة أن يدخل المنافقون أرض المعركة فهم يمثلون دور من يأسر الكافرين حماية لهم من سيوف المؤمنين . ثم يقولون للكافرين : نحن استحوذنا عليكم أي منعناكم أن يقتلكم المؤمنون ، ويطلبون منهم الثمن . ولنر الأداء البياني للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين : « فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ » أما تعبير القرآن عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة « نصيب » أي مجرد شئ من الغلبة المؤقتة . ثم يأتي القول الفصل من الحق : « فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا » . وحين يرد اللّه أمر الكافرين والمؤمنين لا يرده دائما إلى أمد قد لا يطول أجل السامع وعمره ليراه في الدنيا ، فيأتي له بالمسألة المقطوع بها ؛ لذلك لا يقول للمؤمن : إنك سوف تنتصر . فالمؤمن قد يموت قبل أن يرى الانتصار . ولذلك يأتي بالأمر المقطوع وهو يوم القيامة حين تكون الجنة مصيرا مؤكدا لكل مؤمن ؛ لأن الحياة أتفه من أن تكون ثمنا للإيمان . ويعلمنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ألا نطلب الثمن في الدنيا ؛ لأن الغايات تأتى لها الأغيار في هذه الدنيا ، فنعيم الحياة إما أن يفوت الإنسان وإما أن يفوته الإنسان . وثمن الإيمان باق ببقاء من آمنت به . إن القاعدة الإيمانية تقول : من يعمل صالحا يدخل الجنة ، والحق يقول عن هؤلاء الصالحين : فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( من الآية 107 سورة آل عمران )