محمد متولي الشعراوي
2724
تفسير الشعراوى
ويتساءل السامع أو القارئ : هل هذه إغاثة أو تعذيب ؟ وهذا تصوير لتصعيد العذاب ؛ فالماء الذي يعطى لهم كالمهل يصعّد الألم في نفوسهم . والعذاب - كما نعلم - يأخذ قوته من المعذّب ، فإن كان المعذّب ذا قوة محدودة ، كان العذاب محدودا . وإن كان المعذّب غير محدود القوة فالعذاب غير محدود ، فإذا ما نسب العذاب إلى قوة القوى وهو اللّه فكيف يكون ؟ والعذاب يوصف مرة بأنه أليم ، ومرة بأنه مهين ، ومرة بأنه عظيم ، هذه الأوصاف كلها تتجمع ولكل وصف منها جهة ؛ فالألم هو إحساس النفس بما يتعبها ، والعذاب العظيم هو العذاب الذي يبلغ القمة ، وقد يبلغ العذاب القمة ولكن المعذّب يتجلد ، وعذاب الحق يفوق قدرة متلقى العذاب فلا يقدر أن يكتم الألم ؛ لأن درجة تحمل أي إنسان مهما تجلد لا تستطيع أن تدفع الألم ، ومع العذاب العظيم ، نجده أليما أيضا ، فيكون العذاب الأليم العظيم مؤلما للمادة ، لكن النفس قد تكون متجلدة متأبية ثم تنهار ، حينئذ يكون العذاب مهينا . ولأن المنافقين والكفار غارقون في المادية آثر اللّه وصف العذاب بأنه أليم لأن الإيلام يكون للمادة ، ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى بعض الأوصاف للمنافقين فيقول : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 139 ] الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ( 139 ) وأول مظهر من مظاهر النفاق أن يتخذ المنافق الكافر وليا له ؛ يقرب منه ويوده ، ويستمد منه النصرة والمعونة ، والمؤانسة ؛ والمجالسة ، ويترك المؤمنين . وعرفنا أن كل فعل من الأفعال البشرية لا بد أن يحدث لغاية تطلب منه ، ولا يتجرد الفعل عن