محمد متولي الشعراوي

2703

تفسير الشعراوى

ولم يقل الحق : إن « الْآخِرَةِ » في مقابلة للدنيا ؛ وأن من يأخذ الدنيا لن يأخذ الآخرة أو العكس ، بل يريد - سبحانه - للإنسان أن يأخذ الدنيا والآخرة معا ، فيا من تريد ثواب الدنيا لا تحرم نفسك بالحمق من ثواب الآخرة . وكلمة « ثواب » فيها ملحظ ؛ فهناك أشياء تفعل لك وإن لم تطلب منها أن تفعل ، وتنتفع بعملها وإن لم تطلب من الأشياء أن تفعل . وهناك أشياء أخرى تنفعل بحركتك ، فإن تحركت وسعيت وعملت فيها تعطك . مثال ذلك الأرض ، فإن بذرت فيها تخرج الزرع ، واختلافات الناس في الدنيا تقدما وتأخرا وحضارة وبداوة وقوة وضعفا إنما تأتى من القسم الذي ينفعل للإنسان ، لا من القسم الذي يفعل للإنسان . ويسخر له ، وتقدم بعض البشر في الحضارة إنما جاء لأنهم بحثوا في المادة والعناصر ، وأنجزوا إنجازات علمية هائلة في المعامل ، فإن أردت أن تكون متقدما فعليك أن تتعامل مع العناصر التي تنفعل لك ، والأمم كلها إنما تأخذ حضارتها من قسم ما ينفعل لها ، وهم والمتأخرون شركاء فقط فيما يفعل لهم ويسخّر لصالحهم . وإن أردنا الارتقاء أكثر في التحضر . . فعلينا أن نذهب إلى ما يفعل ويسخّر لنا ونتعامل معه حتى ينفعل لنا . . كيف ؟ . الشمس تمدنا بالضوء والحرارة ، ونستطيع أن نتعامل مع الشمس تعاملا آخر يجعلها تنفعل لنا ، مثلما جئنا بعدسة اسمها « العدسة اللّامة » التي تستقبل أشعة الشمس وتتجمع الأشعة في بؤرة العدسة ؛ فتحدث حرارة تشعل النار ، أي أننا جعلنا ما يفعل لنا يتحول إلى منفعل لنا أيضا . ويسمون ذلك الطموح الانبعاثى . والمطر يفعل للإنسان عندما ينزل من السماء في وديان ، ويستطيع الإنسان أن يحوله إلى منفعل عندما يضع توربينات ضخمة في مسارات نزوله فينتج الكهرباء . إذن فحضارات الأمم إنما تنشأ من مراحل . المرحلة الأولى : تستخدم ما ينفعل لها ، والمرحلة الثانية : ترتقى فتستخدم ما ينفعل معها . والمرحلة الثالثة : تستخدم ما يفعل لها كمنفعل لها ؛ مثال ذلك استخدام الطاقة الشمسية بوساطة أجهزة تجمع هذه الطاقة ارتقاء مع استخدام ما يفعل للإنسان لينفعل مع الإنسان .