محمد متولي الشعراوي

2698

تفسير الشعراوى

طاعته ، فلا تشذ أيها الخليفة للّه عن الكون ، فكل ما فيه يخدمك . ولتسأل نفسك : أتعيش في ضوء منهج اللّه أم لا ؟ لأن الكون قد انسجم وهو مسخر للّه ، ولم يحدث أي خلل في القوانين الكلية ، وسبحانه القائل : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) ( سورة الرحمن ) وهذا إيضاح من الحق تبارك وتعالى : إن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية فانظروا إلى الكون ، فالأشياء المسخرة لا يحدث منها خلل على الإطلاق ، ولكن الخلل إنما يأتي من اختيارات الإنسان لغير منهج اللّه . « وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ » يوضح سبحانه : لقد وصينا الذين أنزلنا إليهم المنهج من قبلكم ، ووصيناكم أنتم أهل الأمة الخاتمة أن التزموا المنهج بالأوامر والنواهي ؛ لتجعلوا اختياراتكم خاضعة لمرادات اللّه منكم حتى تكونوا منسجمين كالكون الذي تعيشون فيه ، ويصبح كل شئ يسير منتظما في حياتكم ، ولم يقل الحق هذه القضية للمسلمين فقط لكنها قضية كونية عامة جاء بها كل رسول : « وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ » . ولم يقل : شرعنا للذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، ولم يقل : فرضنا ، إنما قال : « وَلَقَدْ وَصَّيْنَا » . وكلمة « وصية » تشعر المتلقى لها بحب الموصى للموصى . « وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ » وتقوى اللّه تعنى أن نفعل أوامر اللّه وأن نتجنب نواهيه ؛ لنحكم حركة اختياراتنا بمنهج ربنا ، فإن حكمنا حركة اختياراتنا بمنهج اللّه صرنا مع الكون كأننا مسخرون لقضايا المصلحة والخير . ومن بعد ذلك يقول الحق : « وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً » ومقابل الكفر هو الإيمان ، ومن يخرج عن الإيمان فاللّه غنى عنه ، فلا تعتقدوا أيها المخاطبون بمنهج اللّه أنني أستميلكم إلى الإيمان لأنى في حاجة إلى إيمانكم ، لا ، لكني أريد منكم فقط أن تكونوا مجتمعا سليما ، مجتمعا سعيدا ، وإن تكفروا فسيظل الملك كله للّه ، وستظل حتى - ولو كنت متمردا - في قبضة