محمد متولي الشعراوي

1379

تفسير الشعراوى

والآخرة ، وكذلك من نهج نهجهم ، ومعنى « حبطت » أي لا ثمرة مرجوة من العمل ، إن كل عمل يعمله العاقل لا بد أن يكون لهدف يقصده ، فأي عمل لا يكون له مقصد يكون كضربة المجنون ليس لها هدف . إن العاقل قبل أن يفعل أي عمل ينبغي أن يعرف الغاية منه ، وما الذي يحققه من النفع ؟ وهل هذا النفع الذي سوف يحققه هو خير النفع وأدومه ، أو هو أقل من ذلك ؟ وعلى ضوء هذه المقاييس يحدد العاقل عمله ، وحينما يقول الحق : « أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » فهو سبحانه يريد أن يخبرنا أن إنسانا قد يفعل عملا هو في ظاهره خير ، فإياك أن تغتر أيها المؤمن بأنه عمل خيرا . لماذا ؟ لأن عمل الخير لا يحسب للإنسان إلا بنية إيمانه بمن يجازى ، فالإنسان إن عمل عملا قد تصلح به دنياه فهو عمل حسن ، فلماذا يكون عمل هؤلاء حابطا في الدنيا ، وفي الآخرة ؟ إنه حابط بموازين الإيمان ويكون العمل حابطا لأنه لم يصدر من مؤمن ، لأن ذلك الإنسان قد عمل العمل ثقة بنتيجة العمل ، لا ثقة بالأمر الأعلى . إن الإنسان المؤمن حين يقوم بالعمل يقوم بالعمل ثقة في الأمر الأعلى . وبعض من الناس في عصرنا يأخذون على الإسلام أنه لا يجازى الجزاء الحسن للكفرة الذين قاموا بأعمال مفيدة للبشرية . يقول الواحد منهم : هل يعقل أحد أن « باستير » الذي اكتشف الميكروبات ، والعالم الآخر الذي اكتشف الأشعة ، وكل هؤلاء العلماء يذهبون إلى النار ؟ ولهؤلاء نقول : نعم ، إن الحق بعدالته أراد ذلك ، ولنتقاض نحن وأنتم إلى أعراف الناس . إن الذي يطلب أجرا على عمل يطلبه ممن ؟ إنه يطلب الأجر ممن عمل له . فهل كان اللّه في بال هؤلاء العلماء وهم يفعلون هذه الأعمال ؟ إن بالهم كان مشغولا بالإنسانية ، وقد أعطتهم الإنسانية التخليد ، وغير ذلك من مكاسب الدنيا ، وينطبق عليهم قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال ؛ قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جرىء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقى في النار ، ورجل تعلّم العلم وعلمه وقرأ القرآن ، فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم ، وقرأت القرآن ، ليقال : هو قارىء ،