محمد متولي الشعراوي

1377

تفسير الشعراوى

وهذا تقريع لهؤلاء الذين اتبعوا في الإيمان قوما قتلوا الأنبياء من قبل ، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط ، إنه تقريع وتساؤل . كيف تؤمنون كإيمان الذين قتلوا الأنبياء ؟ وكيف تتبعون من فعل مثل ذلك ؟ وقد قص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن بني إسرائيل قد قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا دفعة واحدة ، فقام مائة وسبعون من أتباع الأنبياء لينكروا عليهم ذلك ، فقتلوهم « 1 » ، وهذا هو معنى هذه الآية الكريمة : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) لماذا يبشرهم الحق بعذاب أليم ؟ أليس معنى التبشير هو إخبار بما يسر في أمد يمكن أن يؤتى فيه الفعل الذي يسر ؟ إن التبشير دائما يكون للفعل الذي يسر ، كتبشير الحق للمؤمنين بالجنة ، ومعنى التبشير بالجنة أن اللّه يخبر المؤمن بأمر يسر له المؤمن ، ويعطى الحقّ الفرصة للمؤمن لينفذ منهج اللّه ليأخذ الجائزة والبشارة . لماذا يكون الحديث بالبشارة موجها لأبناء الذين فعلوا ذلك ؟ لأننا نعرف أن الذين قتلوا النبيين وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس لم يكونوا معاصرين لنزول هذه الآية ، إن المعاصرين من أهل الكتاب لنزول هذه الآية هم أبناء الذين قتلوا الأنبياء وقتلوا الذين أمروا بالقسط ، ويبشرهم الحق بالعذاب الأليم ؛ لأنهم ربما رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صوابا . فإن كانوا قد رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صوابا فلهم أيضا البشارة بالعذاب . وتتسع دائرة العذاب لهم أيضا ، ولكن لماذا يكون العذاب بشارة لهم ، رغم أن البشارة غالبا ما تكون إخبارا بالخير ، وعملية العذاب الأليم ليست خيرا ؟ إن علينا أن نعرف أنه ساعة نسمع كلمة « أبشر » فإن النفس تتفتح لاستقبال خبر يسر ، وعندما تستعد النفس بالسرور وانبساط الأسارير إلى أن تسمع شيئا حسنا يأتي قول : أبشر بعذاب أليم ، ماذا يحدث ؟ الذي يحدث هو انقباض مفاجىء أليم ، ابتداء مطمع « فبشرهم » وانتهاء ميئس ( بعذاب أليم ) وهنا يكون الإحساس بالمصيبة أشد ؛ لأن الحق لو أنذرهم وأوعدهم من أول الأمر بدون أن يقول :

--> ( 1 ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير .