محمد متولي الشعراوي
1940
تفسير الشعراوى
أنت مثلا جالس على الكرسي . وقد تقول : لقد صنعه النجار والنجار جاء بالخشب من البائع ، والبائع جاء بالخشب من الغابة ، فمن أين جاء الخشب إلى الغابة ؟ تقول : لا أعرف ، أما إذا كان عندك الحس الإيمانى فأنت تقول : أوجده اللّه . وحين تنتهى الأسباب وسلسلتها نجد اللّه الخالق « إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً » فعندما أعطاه اللّه الأسباب جاء هو بالوسائط فقط ، إذن فالأصل كله من اللّه . ويتابع الحق : « حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ » هذا في عين الناظر فقط ، فأنت حين تركب البحر ثم ترى الشمس عند الغروب تغطس في البحر ، وعندما تذهب للمنطقة التي غطست الشمس فيها تجد الشمس موجودة ؛ لأنها لا تغيب أبدا ، إنما « تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ » أي فوجد الشمس في نظره عند غروبها عنه كأنها تغرب في مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود . ويتابع الحق : « وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً » . والناس تفهم أن هذا تخيير ، يعنى إما أن تعذبهم ، وإما تحسن إلى من كنت تعذبهم ، لكن الدقة والتمعن يوضحان لنا أن الحق قد أعطى تفويضا لذي القرنين ، بقوله : « إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً » ففهم ذو القرنين عن اللّه التفويض ، ولم يأخذ التفويض وافترى ، بل قال : « أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ » . وليس هذا هو العذاب الذي يستحقه ، لا ، نحن سنعذبه في دنيانا كي لا يستشرى فيها الشرّ . وفوق ذلك سيعذبه اللّه عذابا آخر . « أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً » إنه أولا لم يصف عذابه بنكر ، إنما وصف عذاب اللّه فقال : « فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً » ، لأن عذاب البشر للبشر على قدر البشر ، لكن عذاب اللّه يتناسب مع قدرة اللّه ، فهل لنا طاقة بهذا العذاب والعياذ باللّه ؟ ليس لنا طاقة به ، وماذا عن موقف ذي القرنين من الذي آمن ؟ إنه موقف مختلف . يقول الحق : « وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا