محمد متولي الشعراوي
1925
تفسير الشعراوى
فهذا زمن زائل ينتهى ، فثوابكم على الإيمان لا بد أن يكون في الآخرة لكي يكون ثوابا لا ينتهى . ونعرف ما حدث في بيعة العقبة الثانية ؛ حينما أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الأنصار عهودا ، قالوا : فما لنا بذلك يا رسول اللّه إن نحن وفينا ؟ لم يقل لهم صلّى اللّه عليه وسلّم ستنتصرون أو ستملكون الدنيا ، بل قال : « الجنة » قالوا : ابسط يدك ، فبسط يده فبايعوه ، فلو وعدهم بأي شئ في الدنيا لقال له أي واحد فطن منهم : ما أهونها ، ولذلك عندما قال واحد لصاحبه : أنا أحبك قدر الدنيا ، فقال له : وهل أنا تافه عندك لهذه الدرجة ؟ . فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول : إياكم أن تفهموا أن جزاء الإيمان يكون في الدنيا ؛ لأنه لو كان في الدنيا لكان زائلا ولكان قليلا كجزاء على الإيمان ، لأن الإيمان وصل بغير منته وهو اللّه ، فلا بد أن يكون الجزاء غير منته وهو الجنة ، فقال : « وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ » . . وأخذ أهل اللمح من كلمة « توفون » أن هناك مقدمات ؛ لأن معنى « وفيته أجره » أي أعطيته وبقي له حاجة وأكمل له ، نعم هو سبحانه يعطيهم حاجات إيمان ، ويكفى إشراقة الإيمان في نفس المؤمن ، فالجواب لا بد أن يكون متمشيا مع منطق من يسمع هذه الآية ؛ فقد يموت من يسمعها بعد قليل في معركة ، وما دام قد مات في معركة فهو لم ير انتصارا ، ولم ير غنائم ولا أي شئ ، فماذا يكون نصيبه ؟ إنه يأخذ نصيبه يوم القيامة « توفون » فمن نال منها شيئا في الدنيا بالنصر ، بالغنائم ، بالزهو الإيمانى على أنه انتصر على الكفر فهذا بعض الأجر ، إنما الوفاء بكامل الأجر سيكون في الآخرة ، لأن كلمة التوفية تفيد أن توفية الأجور وتكميلها يكون في يوم القيامة ، وأن ما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور التي يستحقها العاملون . ويقول الحق : « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرأوا إن شئتم : « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » « 1 »
--> ( 1 ) رواه ابن أبي حاتم ، ورواه البخاري ومسلم من غير هذا الوجه وبدون هذه الزيادة وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه