محمد متولي الشعراوي
1914
تفسير الشعراوى
الموجب فهي تثبت الأقل ، فعندما يقال : « فلان ظلّام » فالثابت أنه ظالم أيضا ، لأننا ما دمنا قد أثبتنا المبالغة فإننا نثبت الأقل . ومثل ذلك نقول : « فلان علّام » أو « فلان علّامة » فمعنى ذلك أن فلانا هذا عالم . ولكن إذا قلنا : « فلان عالم » فلا يثبت ذلك أنه « علّامة » . فصيغة المبالغة ليس معناها « اسم فاعل » فحسب ، إنها أيضا اسم فاعل مبالغ فيه ، لأن الحدث يأتي منه قويا ، أو لأن الحدث متكرر منه ومتعدد . فإذا ما أثبتنا صفة المبالغة فمن باب أولى تثبت صفة غير المبالغة . فإذا ما قال واحد : « فلان أكّال » فإنه يثبت لنا أنه آكل ، هذا في الإثبات . والأمر يختلف في النفي . إننا إذا نفينا صفة المبالغة ، فلا يستلزم نفى الصفة الأصلية ، فإن قلت : « فلان ليس علّامة » فقد يكون عالما . وهكذا نفهم لأن الإثبات يختلف عن النفي . فإذا أثبتّ صفة المبالغة تثبت الصفة التي ليس فيها مبالغة من باب أولى . أما إذا نفيت صفة المبالغة فلا يستلزم ذلك نفى الصفة الأقل . والتذييل للآية التي نحن بصددها الآن هو « وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . يفهم المستشرقون من هذا القول أنه مجرد نفى للمبالغة في الظلم ، لكنها لم تنف عنه أنه ظالم ولم يفهم المستشرقون لماذا تكون المبالغة هنا : إن الحق قد قال : إنه ليس بظلّام للعبيد ، ولم يقل إنه ليس بظلام للعبد . ومعنى ذلك أنه ليس بظلام للعبيد من أول آدم إلى أن تقوم الساعة ، فلو ظلم كل هؤلاء - والعياذ باللّه - لقال إنه ظلام ، حتى ولو ظلم كل واحد أيسر ظلم . لأن الظلم تكرر وذلك بتكرر من ظلم وهم العبيد ، فإن أريد تكثير الحديث فليفطن الغبي منهم إلى أن اللّه قال : « وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » ولم يقل إنه ليس بظلام للعبد . وإذا كان الظالم لا بد أن يكون أقوى من المظلوم ، إذن فكل ظلم يتم تكييفه بقوة الظالم . فلو كان اللّه قد أباح لنفسه أن يظلم فلن يكون ظالما ؛ لأن عظم قوته لن يجعله ظالما بل ظلّاما . فإن أردنا الحدث فيكون ظلاما ، وإن أردنا تكرارا للحدث فيكون ظلاما . وحين