محمد متولي الشعراوي
1908
تفسير الشعراوى
إلينا لفقير ، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء ، ولو كان عنّا غنيّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن الربا ويعطينا ، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا . فغضب أبو بكر - رضى اللّه عنه - فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا ، وقال : والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدوّ اللّه فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين « 1 » . فذهب فنحاص إلى رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال : يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حملك على ما صنعت يا أبا بكر » ؟ فقال يا رسول اللّه : إن عدوّ اللّه قال قولا عظيما ، يزعم أن اللّه فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت للّه مما قال فضربت وجهه ، فجحد فنحاص ذلك وقال : ما قلت ذلك . فأنزل اللّه فيما قال فنحاص « لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » « 2 » هؤلاء لم يفطنوا إلى سر التعبير الجميل في قوله سبحانه : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ( من الآية 11 سورة الحديد ) فإن هذا القول هو احترام من الحق - سبحانه - لحركة الإنسان في التملك . لماذا احترم اللّه حق الإنسان في التملك ؟ هو سبحانه يريد أن يغرى المتحرك بزيادة الحركة ، ويحمل غير المتحرك على أن يتحرك . فإن طلب سبحانه شيئا من هذا المال فهو لا يقول للإنسان : أعطني ما أعطيت لك . بل كأنه سبحانه يقول : إنني سأحترم عرقك ، وسأحترم حركتك ، وسأحترم فكرك ، وسأحترم جوارحك وطاقاتك وكل ما فيك ، فإن أخذت منك شيئا فلن أقول لك أعطني ما أعطيت لك ، لكن أقول لك : أقرضها لي ؛ وإن أقرضتها فسوف تقرضها لا لأنتفع بها ، ولكنها لأخيك . وقد اقترض من القادر فيما بعد وذلك لك أنت إذا أصابتك الحاجة . لماذا ؟ لأننى أنا اللّه الذي استدعيت خلقي إلى الوجود . وما دمت أنا اللّه الذي استدعيت الخلق إلى
--> ( 1 ) أكذبونا : بيّنوا وأظهروا كذبنا . ( 2 ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير .